الصفحة 27 من 67

وكان الملك ألب أرسلان التركي سلطان العراق والعجم يومئذ، قد جمع وجوه مملكته، وقال: قد علمتم ما نزل بالمسلمين، فما رأيكم؟ قالوا: رأينا لرأيك تبع، وهذه الجموع لا قبل لأحدٍ بها، قال وأين المفر؟ لم يبق إلا الموت، فموتوا كرامًا أحسن، قالوا: أما إذا سمحت بنفسك فنفوسنا لك الفداء، فعزموا على ملاقاتهم، وقال: نلقاهم في أول بلادي فخرج في عشرين ألفًا من الأمجاد الشجعان المنتخبين، فلما سار مرحلة عرض عسكره، فوجدهم خمسة عشر ألفًا، ورجعت خمسة، فما سار مرحلة ثانية عرض عسكره فوجدهم اثنا عشر ألفًا.

فلما واجههم عند الصباح رأى ما أذهل العقول وحير الألباب، وكان المسلمون كالشامة البيضاء في الثور الأسود، فقال: إني هممت أن لا أقاتلهم إلا بعد الزوال، قالوا ولم؟ قال: لأن هذه الساعة لا يبقى على وجه الأرض منبر إلا دعوا لنا بالنصر، وكان ذلك يوم الجمعة، فقالوا: افعل، فلما زالت الشمس صلى، وقال: ليودع كل واحد صاحبه وليوصي، ففعلوا ذلك فقال: إني عازم على أن أحمل فاحملوا معي وافعلوا كما أفعل.

فاصطف المشركون عشرين صفًا، كل صف لا يرى طرفاه، ثم قال بسم الله وعلى بركة الله احملوا معي، ولا يضرب أحد منكم بسيف ولا يرمي بسهم إلى أن أفعل، وحمل وحملوا معه حملة واحدة خرقوا صفوف المشركين، صفا بعد صف لا يقف لهم شيء حتى انتهوا إلى سرادق الملك فوقف، وأحاطوا به وهو لا يظن أن أحدًا يصل إليه، فما شعر حتى قبضوا عليه، وقتلوا كل من كان حوله، وقطعوا رأسًا فرفعوها على رمح وصاحوا قتل الملك، فولوا منهزمين لا يلوون على شيء وحكّموا السيوف فيهم أيامًا، فلم ينج منهم إلا قتيل أو أسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت