وأكثر الأحاديث المروية عن أبي هريرة مكررة: المتن واحد ولكن تعددت الأسانيد والطرق، فبعض الأحاديث قد تروى من خمسين طريقا ومتنها واحد، فهذه يعدها أهل الحديث خمسين حديثًا لا حديثًا واحدًا كما يظنه غير المتخصصين في دراسة الأحاديث والأسانيد، فأهل الحديث يعدون كل إسناد حديثًا، فلو كان للحديث الواحد مائة إسناد عن صحابي واحد فهي عندهم مائة حديث مع أن المتن واحد، وقد ذكرنا في أول هذا البحث أن أحاديث أبي هريرة الصحيحة والضعيفة في الكتب التسعة 1475 حديثًا فقط، وأن أحاديثه الصحيحة في صحيح الجامع الصغير 935 حديثًا فقط!! مع أن بعضها مكرر، وبعضها شواهد لأحاديث كتاب الجامع الصغير وزيادته، وقد يكون في بعض الشواهد ضعف، وهذا يدل على أن أحاديث أبي هريرة رضي الله عنه الصحيحة الثابتة عنه قد لا تصل إلى الألف حديث.
الوقفة الثانية: أحاديث أبي هريرة رضي الله عنه المروية في كتب السنة لم يسمعها كلها من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، بل روى كثيرًا منها عن بعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان حريصًا على أخذ الحديث النبوي من النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وممن سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته؛ ولذا نجده يروي بعض الأحاديث التي كانت قبل الهجرة والنبي صلى الله عليه وسلم في مكة، فقد روى عن أبي بكر وعمر وأُبيّ بن كعب وأسامة بن زيد وعائشة والفضل بن عباس رضي الله عنهم.
وكان أكثر الصحابة لا يجترئون على سؤال النبي صلى الله عليه وسلم إلا عند الضرورة، بخلاف أبي هريرة رضي الله عنه فقد كان من حرصه على الحديث يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، روى البخاري في صحيحه رقم الحديث (99) وكرره البخاري أيضًا بإسناد آخر برقم (6570) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال:"لقد ظننت، يا أبا هريرة، أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث!! أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصا من قبل نفسه".
وروى أحمد في مسنده (4453) بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال لأبي هريرة: أنت كنت أَلَزَمَنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمَنا بحديثه، ورواه الترمذي (3836) أيضًا وعبد الرزاق الصنعاني (6270) والحاكم في المستدرك (6167) وغيرهم.