الصفحة 4 من 40

اقتصرت في أكثر الأحيان على القول بالتباس نسبة بعض الأشعار إلى هذا الشاعر أو ذاك، أو ترجيح نسبته إلى بعض الشعراء، وعلى الكلام في الانتحال أو السرقة أو السطو" [1] ويمكن أن نضيف إلى هؤلاء محمد بن سلام الجمحي [139 ه- 231 ه-] الذي شكّ في الشعر الموغل في القِدَم، والشعر المنسوب إلى أقاصي اليمن، والرواة الذين عدّهم وضاعين [2] ومن قول الجمحي في هذا السياق:"وقد اختلفت العلماء بعدُ في بعض الشعر، كما اختلفت في سائر الأشياء، فأما ما اتفقوا عليه، فليس لأحد أن يخرج منه" [3] ومن كلامه عن الرواة قوله:"وكان ممن أفسد الشعر وهجّنه وحمل كل غثاء منه محمد بن إسحاق بن يسار" [4] أما حماد الراوية: فهو"أول مَنْ جمع أشعار العرب، وساق أحاديثها حماد الراوية، وكان غير موثوق به، وكان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره ويزيد في الأشعار" [5] ."

وقد تكلم في هذه القضية أبو الفرج الأصفهاني، وياقوت الحموي، وغيرهم من القدامى، وعلى ذلك تكون قضية الشك في أدب الجاهلية عمومًا وشعرها خصوصًا كانت قديمة بدأت من بعض العرب أنفسهم، وإن كان الغرض منها ليس الغضُّ من شأن العرب وثقافتهم وأدبهم، وإنما كان الشك وسيلة لتخليص الأدب العربي القديم من أية شائبة قد تنال منه ومن أعلامه.

أقول هذا لأن شاعرنا أبا تمام قد كان مثالًا على ما تعرض له أعلام العربية من التشكيك الذي بدأ مع التشكيك في المكان الذي ينتمي إليه من حيث عروبته وعجمته، والمفارقة ما بين العربية والعجمية تحكي هذا الصراع الحضاري بين الحضارة العربية، ونظيرتها الأعجمية التي نازعت العربية في أعلامها ونابغيها، وكأنها أرادت سلب الحضارة العربية من أي تميز، لقد تعرض أبو تمام لمثل هذا التشكيك في البلدة التي ينتمي إليها، كما تعرض للتشكيك في عربيته من عدمها، وفي إسلامه من عدمه، ووقفتنا المكانية هنا في الترجمة له تصور جانبًا من هذا التشكيك الذي قد يكون بحسن نية، وقد يكون بعدمه.

(1) - د/ مصطفى الجوزو: قراءة جديدة لقضية الشك في أدب الجاهلية ص 9.

(2) - السابق ص 1.

(3) - الجمحي: محمد بن سلام: طبقات فحول الشعراء - قرأه وشرحه محمود محمد شاكر 1/ 4 - دار المدني - جدة

(4) - السابق 1/ 7 - 8.

(5) - السابق 1/ 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت