ما يحسب المرء أن حملة التشكيك التي يتعرض لها المجتمع العربي الإسلامي في قيمه ومبادئه، وتراثه وأعلامه سوف تنتهي بحال من الأحوال، ما دامت الحضارة العربية الإسلامية قائمة على عُمُدها الراسخة وأصولها الثابتة ثبات الجبال الرواسي شامخةً شموخها الذي يشير إلى تقاصر هامات الآخرين عن قامتنا مهما تطاولت قامات هؤلاء الأُخر؛ لأن جذورها غير غاصّة في قعر التاريخ، بل هي قريبة عهد بالسطح من التاريخ، ومن ثمة إذا عصفت بها الرياح، فلا أحسب أن ستصمد أمامها، مثلما صمدت الحضارة العربية الإسلامية، لكل تلك الحملات التشكيكية التي لم يقف أمر بثها وترويجها عند الخارج حيث الآخر المتربِّص بنا الدوائر، وإنما قد وجدت لها من الداخل من الألسنة الحداد ما أشاع فكرها ونشر سمومها، ولست أشك في أن القارئ الكريم لم يعرف قضية التشكيك في الشعر العربي الجاهلي من مثل المستشرق مرجليوث [1] ومن مثل المستشرق نولدكه [2] ولم ينف ذلك وجود بعض المستشرقين المنصفين من مثل بروينلش [3] .
وقد شايع المستشرقين الشاكّين في الشعر الجاهلي بعضُ المؤلفين من العرب من مثل الدكتور طه حسين ومواقفه مشهورة حول الشك في الشعر الجاهلي، وغيره مِمّنْ كانت لهم آراؤهم في التشكيك في شخصيات شعرية جاءت بعد الإسلام من أمثال قيس بن الملوح العامري - مجنون ليلى - وغيره من شعراء كانت لهم في تاريخ الشعر العربي محطات بارزة، والتشكيك فيهم ليس لشيء سوى انتمائهم إلى هذا الفن الشعري الذي كان علم قوم لم يكن لهم من علم غيره في المأثور القديم.
صحيح أن قضية الشك في الشعر الجاهلي كانت قديمة الجذور إذ نبتت في التراث الثقافي العربي حيث الأصمعي والمفضّل الضبي وابن هشام، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، بيد أن أقوالهم قد""
(1) - انظر موقفه من الشعر الجاهلي - على سبيل المثال - عند: د/ عبد الرحمن بدوي: دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي - مترجمة عن الألمانية والإنجليزية والفرنسية ص 87 وما بعدها - ط 1/ 1979 م- دار العلم للملايين، وكذلك د/ يحيى الجبوري: المستشرقون والشعر الجاهلي بين الشك والتوثيق ص 48 - 53 - ط/1/ 1997 م - دار الغرب الإسلامي.
(2) - انظر موقفه من الشعر الجاهلي عند: د/ عبد الرحمن بدوي: دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي ص 13. وما بعدها، وكذلك: د/ مصطفى الجوزو: قراءة جديدة لقضية الشك في أدب الجاهلية ص 13 - ط 1/ 2 .. 1 م - دار الطليعة - بيروت.
(3) - د/ يحيى الجبوري: المستشرقون والشعر الجاهلي بين الشك والتوثيق - السابق - ص 54 وما بعدها.