ولقد رأيت أن أخص في هذه الدراسة رأي السيد محمد باقر الصدر بشيء من التفصيل والبيان؛ لما في عرضه للقضية من براعة كلامية لا تنكر، ولما في استدلاله عليها من جدة تستحق النظر والمناقشة [1] ، فقد أضاف الرجل إلى الاستدلال التقليدي بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية الدالة عند القوم على إمامة سيدنا علي ــ رضي الله عنه ــ وخلافته للرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ بالتعيين، دلائل أخرى يستنطق فيها الأحداث في عصر النبوة وما بعده في تصور منطقي ضرورةَ تعيينِ رسولِ اللهِ ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ للإمام الذي يخلفه في قيادة الأمة، باعتبار ذلك التعيين هو الطريق الوحيد الذي يضمن سلامة مستقبل الدعوة، وصيانة الأمة من الانحراف في مسارها سياسة وديانة؛ فالإمام لا يحكم فقط بالشريعة بل يخلف الرسول في مقام «بيان التنزيل» وهداية الأمة إلى الحق في كل ما يعرض لها من شئون الدين والحياة ــ وهي المهمة التي يقوم بها المجتهدون من أولي الأمر العلمي لدى أهل السنة وجمهور الأمة. وهكذا يكون التشيّع نتيجة طبيعية للإسلام، وممثلا لأطروحة كان من الضروري للدعوة الإسلامية أن تتوصّلَ إليها حفاظا على نموها السليم.
(1) - وقد قال الدكتور عبد الجبار شرارة في مقدمة تحقيقه لبحث السيد الصدر ـ ص 8: «لقد تناول الشهيد الصدر هذا الموضوع الخطير فجاء فيه على وجازته بما لم يسبقه إليه سابق، من قوة الحجة ومتانتها، ورصانة العبارة ودقتها، وحسن العرض ولطافته، مع كثرة نكته وإشاراته التي يفطن إليها كل أديب وأريب، ولكنها تغيب عمن لم يمارس هذا النوع من البحوث الكلامية العميقة، ولم يلج ميدان الحِجاج والمناظرة» .