الصفحة 24 من 91

كما أنَّ واحدًا منهم لم يستخلف ابنه أو أقرب فردٍ من أسرته، على ما كان يتمتع به من سلطة ومكانة، بل بالعكس من ذلك فإنهم أوصوا أبناءهم وأقاربهم بالابتعاد عن الخلافة، وأوصوا المسلمين كذلك بأن لا يختاروهم لمنصب الخلافة أبدًا. الأمر الذي لا تستنبط منه إلا نتيجة واحدة -في ضوء تجارب الفطرة والدوافع الإنسانية، وتقاليد الحكام والحكومات التي تمتد على قرون بل على آلاف السنين- وهي أنهم كانوا مخلصين بكامل معنى الإخلاص، متَّصلين بالله تمام الاتصال، بعيدين عن كل غرض ظاهر وباطن، لم يتولوا مسؤولية الخلافة إلا لابتغاء وجه الله ونشر دينه ودعمه، ولسدِّ أبواب الفتن والأخطار، وإلا -كما تزعم بعض مدارس الفكر- إن صحَّ أن هؤلاء الخلفاء كانوا قد تولوا الخلافة تحقيقًا لأغراضهم الشخصية، وطلبًا للجاه والحصول على المنافع المادية، فلا معنى لخسران الآخرة والتعرُّضِ لسخط الله من غير انتفاع بالدنيا، إنه الإثم الخالص الذي ليست وراءه لذة، وذلك ما لا يرضى به عاقل لأنه يرادف المثل الذي يقول: (تمخض الجبل فولد فأرًا) .

زهد أبي بكر رضي الله عنه وإيثاره:

نكتفي في المناسبة بتقديم مثال من سيرة أبي بكر رضي الله عنه، وآخر لواقع عمر رضي الله عنه، ويتسنى بعد ذلك لمن لم تتغلب العصبية على عقله وضميره، أن يعدل في الحكم، يقول مؤرخ عهد خلافة أبي بكر رضي الله عنه:

(قيل إن زوجته اشتهت حلوًا، فقال: ليس لنا ما نشتري به، فقالت: أنا أستفضل من نفقتنا في عدة أيام ما نشتري به، قال: افعلي، ففعلت ذلك، فاجتمع لها في أيام كثيرة شيء يسير، فلما عرفته ذلك ليشتري به حلوًا، أخذه فردَّه إلى بيت المال، وقال: هذا يفضل عن قوتنا، وأسقط من نفقته بمقدار ما نقصت كل يوم، وغرمه لبيت المال من ملك كان له) ( [39] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت