ومنها: أن جبرئيل عليه السلام نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بولاية علي، فقال: يا جبرئيل، أخاف مِنْ تشتت قلوب القوم -وفي رواية: وبكى- فقال له جبرئيل عليه السلام: مالك يا محمد أجزعت من أمر الله؟ فقال: كلا يا جبرئيل، ولكن قد علم ربي ما لقيت من قريش إذ لم يقروا لي بالرسالة حتى أمرني بجهادي، وأهبط إلي جنودًا من السماء فنصروني، فكيف يقروا لعلي من بعدي؟ فانصرف عنه جبرئيل، ثم نزل عليه: (( فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ) ) [هود:12] ( [134] ) .
وفي أخرى متصلة بالغدير: عن الباقر قال: فلم يبلغ ذلك وخاف الناس.
وفي أخرى: وامتنع رسول الله من القيام بها لمكان الناس ( [135] ) .
بل وجعلوا ذلك في أدعية يوم الغدير، حيث ذكروا في ذلك عن الصادق في دعاءٍ طويل فيه: أمرته أن يبلغ عنك ما أنزلت إليه من موالاة ولي المؤمنين وحذرته وأنذرته إن لم يبلغ أن تسخط عليه ( [136] ) .. وهكذا.
بل وذكروا أن حفيد إبليس كان أحرص على ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، حيث رووا أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، وقال: من تكون؟ فقال: أنا الهام بن الهيم بن لاقيس بن إبليس، فقال صلى الله عليه وسلم: بينك وبين إبليس أبوان؟ قال: نعم يا رسول الله، فذكر حديثًا طويلًا فيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل الهام حاجته؟ فقال: حاجتي أن تأمر أمتك أن لا يخالفوا أمر الوصي ( [137] ) ، وغيرها.
فكيف يقرون بصدور كل هذا منه صلى الله عليه وسلم من تردد وخشية الناس، وهو الذي نزل عليه قوله تعالى: (( وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ) ) [الأحزاب:37] في مسألة من المباحات، بينما نجده هنا في مسألة من أعظم أركان الدين بزعم القوم.