ومن الطرائف: أن القوم ملئُوا كتبهم من حماس النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ ولاية علي رضي الله عنه إلى قومه قبل ذلك بكثير، خلافًا لمشيئة الله عز وجل كما تروي رواياتهم، وهو الأمر الذي نراه قد انقلب تمامًا هنا، فمن هذه الروايات:
ما نسبوه إلى الباقر أنه قال في قوله تعالى: (( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ) ) [الإسراء:110] قال: لا تجهر بولاية علي فهو الصلاة، ولا بما أكرمتك به حتى آمرك، فأما قوله: (( وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ) ) [الإسراء:110] يقول: تسألني أن آذن لك أن تجهر بأمر علي بولايته، فأذن له بإظهار ذلك يوم غدير خم، فهو قوله يومئذٍ: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ( [130] ) .
فأنت ترى أنه صلى الله عليه وسلم بزعم القوم أراد إبلاغ ولاية علي بن أبي طالب رضي الله عنه قبل الغدير بأكثر من عشر سنوات، إذا علمنا أن سورة الإسراء التي منها هذه الآية من السور المكية.
بل نراه يوم عرفة غير هائب لقومه في بيان فضائل علي على الملأ، كما يروي القوم أنه صلى الله عليه وسلم قال: إني رسول الله إليكم غير هائب لقومي ولا محاب لقرابتي، هذا جبرئيل يخبرني أن السعيد كل السعيد حق السعيد من أحب عليًا في حياتي وبعد موتي ( [131] ) .
ثم يقولون بتردده حتى يوم الغدير، والغريب أن القوم وهم يقولون بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بالصورة التي ذكرناها لك عند الكلام في آية التطهير، وبالرغم من استماتتهم في رد كل ما ينافي تلك العصمة، نراهم هنا يستميتون في بيان خلاف ذلك، لأنهم يرون أن في ذلك خدمة لمعتقدهم.