لما سار إلى معاوية بصفين مكث أيامًا لا يرسل إلى معاوية أحدًا ولا يأتيه من عنده أحد، قال أهل العراق: يا أمير المؤمنين، خلفنا نساءنا وذرارينا بالكوفة، وجئنا إلى أطراف الشام نتخذها وطنًا، فأْذن لنا بالقتال، فإن الناس يظنون أنك تكره الحرب كراهية الموت، ومنهم من يظن أنك في شك من قتال أهل الشام ( [98] ) .
وهذا هاشم لما صرع في صفين مرَّ على رجلٍ، فقال وهو صريع بين القتلى: أقرئ أمير المؤمنين السلام ورحمة الله، وقل له: أنشدك الله إلا أصبحت وقد ربطت مقاود خيلك بأرجل القتلى، فإن الدبرة تصبح غدًا لمن غلب على القتلى، فأخبر الرجل عليًا بذلك، فسار علي رضي الله عنه في بعض الليل حتى جعل القتلى خلف ظهره وكانت الدبرة له عليهم ( [99] ) .
ولما أراد المسير إلى الشام اجتمع إليه وجوه أصحابه، فقالوا: لو كتبت يا أمير المؤمنين إلى معاوية وأصحابه قبل مسيرنا إليهم كتابًا تدعوهم إلى الحق، وتأمرهم بما لهم من الحظ تزداد عليهم قوة، فكتب إليه ( [100] ) .
ولما عزم على الخروج من الكوفة إلى الحرورية وكان في أصحابه منجم، فقال له: يا أمير المؤمنين، لا تسر في هذه الساعة وسر على ثلاث ساعات مضين من النهار، فإنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك أذى وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظهرت وظفرت وأصبت ما طلبت ( [101] ) .
وكذا ما كان من قصة قيس بن سعد وتلفيق معاوية كتابًا ونسبته إليه، فقرأه على أهل الشام، فشاع في الشام كلها أن قيسًا صالح معاوية وأتت عيون علي رضي الله عنه إليه بذلك، فأعظمه وأكبره وتعجب له ودعا ابنيه حسنًا وحسينًا وابنه محمدًا وعبدالله بن جعفر، فأعلمهم بذلك، وقال: ما رأيكم؟ فقال عبدالله بن جعفر: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، اعزل قيسًا من مصر، قال علي: والله إني غير مصدق بهذا على قيس، فقال عبدالله: اعزله يا أمير المؤمنين؛ فإن كان حقًا ما قد قيل لا يعتزلك إن عزلته ( [102] ) .