وحينئذ لم يكن يرضى بمساواة النبي - صلى الله عليه وسلم: لا بالمعنى الذي أراده الكاذب المفترى عليه: أنه لم يرض بأن يموتا جميعًا، بل كان لا يرضى بأن يُقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعيش هو، بل كان يختار أن يفديه بنفسه وأهله وماله.
وهذا واجب على كل مؤمن، والصدّيق أَقْوَم المؤمنين بذلك. قال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} (1) . وفي الصحيحين عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ) ) (2) وحزنه على النبي- صلى الله عليه وسلم - يدل على كمال موالاته ومحبته، ونصحه له، واحتراسه عليه، وذبّه عنه، ودفع الأذى عنه. وهذا من أعظم الإيمان.
(فصل)
وأما قوله: (( إنه يدل على قلة صبره ) ).
فباطل، بل ولا يدل على انعدام شيء من الصبر المأمور به، فإن الصبر على المصائب واجب بالكتاب والسنّة، ومع هذا فحزن القلب لا ينافي ذلك.
كما قال - صلى الله عليه وسلم: (( إن الله لا يؤاخذ على دمع العين، ولا على حزن القلب، ولكن يؤاخذ على هذا - يعني اللسان - أويرحم ) ) (3) .
وقوله: (( إنه يدل على عدم يقينه بالله ) ).
كذب وبهت؛ فإن الأنبياء قد حزنوا، ولم يكن ذلك دليلا على عدم يقينهم بالله، كما ذكر الله عن يعقوب. وثبت في الصحيح أن النبي- صلى الله عليه وسلم - لما مات ابنه إبراهيم قال: (( تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون ) ) (4) .
(1) الآية 6 من سورة الأحزاب.
(2) انظر البخاري ج1 - ص9 - مطبعة النهضة - ومسلم ج1 ص 67.
(3) انظر البخاري ج2 ص 84 ومسلم ج2 ص 636.
(4) انظر البخاري ج2 ص 83 - 84 ومسلم ج4 ص 18.7 - 18.8.
وقد نهى الله عن الحزن نبيه- صلى الله عليه وسلم - بقوله: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} (1) .