وأيضا فمعلوم أن أضعف الناس عقلًا لا يخف عليه حال من يصحبه في مثل هذا السفر، الذي يعاديه فيه الملأ الذين هوبين أظهرهم، ويطلبون قتله، وأولياؤه هناك لا يستطيعون نصره، فكيف يصحب واحدًا ممن يظهر له موالاته دون غيره، وقد أظهر له هذا حزنه، وهومع ذلك عدوّ في الباطن، والمصحوب يعتقد أنه وليه، وهذا لا يفعله إلا أحمق الناس وأجهلهم.
فقبَّح الله من نَسَبَ رسوله، الذي هوأكمل الخلق عقلا وعلما وخبرة، إلى مثل هذه الجهالة والغباوة.
(فصل)
وأما قول الرافضي: يجوز أن يستصحبه لئلا يظهر أمره حذرا منه.
والجواب: أن هذا باطل من وجوه كثيرة لا يمكن استتقصاؤها.
أحدها: أنه قد علم بدلالة القرآن موالاته له ومحبته، لا عداوته، فبطل ادعاؤه.
الثاني: أنه قد علم بالتواتر المعنوي أن أبا بكر كان محبا للنبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمنا به، ومن أعظم الخلق اختصاصا به، أعظم مما تواتر من شجاعة عنترة، ومن سخاء حاتم ومن موالاة عليّ ومحبته به، ونحوذلك من التواترات المعنوية التي اتفق فيها الأخبار الكثيرة على مقصود واحد، والشك في محبة أبي بكر كالشك في غيره وأشد، ومن الرافضة من ينكر كون أبي بكر وعمر مدفونين في الحجرة النبوية، وبعض غلاتهم ينكر أن يكون هوصاحبه الذي معه في الغار، وليس هذا من بهتانهم ببعيد، فإن القوم قوم بهت، يجحدون المعلوم ثبوته بالاضطرار ويدعون ثبوت ما يعلم انتفاؤه بالاضطرار في العقليات والنقليات.
الوجه الثالث: أن قوله: (( استصحبه حذرًا من أن يظهر أمره ) ).