وهذه النصوص صريحة بأنه أحب الخلق إليه، وأفضلهم عنده. كما صرّح بذلك في حديث عمروبن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه على جيش ذات السلاسل، قال: (( فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: (( عائشة ) ). قلت: فمن الرجال؟ قال: (( أبوها ) ). قلت: ثم من؟ قال: عمر وعدّ رجالً )) ، وفي رواية للبخاري (( قال: فَسكَتُّ مخافة أن يجعلني آخرهم ) ) (1)
(فصل)
ومما يبيّن من القرآن فضيلة أبي بكر في الغار أن الله تعالى ذكر نصره لرسوله في هذه الحال التي يُخذل فيها عامة الخلق إلا من نصره الله: {إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} (2) . أي أخرجوه في هذه القلة من العدد، لم يصحبه إلا الواحد، فإن الواحد أقل ما يوجد. فإذا لم يصحبه إلا واحدٌ دلّ على أنه في غاية القلّة.
ثم قال: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} (3) . وهذا يدلّ على أن صاحبه كان مشفقا عليه محبًّا له ناصرًا له حيث حزن، وإنما يحزن الإنسان حال الخوف على من يحبّه، وأما عدوه فلا يحزن إذا انعقد سبب هلاكه.
فلوكان أبوبكر مبغِضا كما يقول المفترون لم يحزن ولم ينه عن الحزن، بل كان يضمر الفرح والسرور، ولا كان الرسول يقول له: (( لا تحزن إن الله معنا ) ).
فإن قال المفترى: إنه خَفِيَ على الرسول حاله لمّا أظهر له الحزن، وكان في الباطن مبغضا.
قيل له: فقد قال: {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} فهذا إخبار بأن الله معهما جميعا بنصره، ولا يجوز للرسول أن يخبر بنصر الله لرسوله وللمؤمنين وأن الله معهم، ويجعل ذلك في الباطن منافقا، فإنه معصوم في خبره عن الله، لا يقول عليه إلا الحق.
(1) انظر البخاري ج5 ص 5 و136 ومسلم ج4 ص 1856.
(2) الآية4. من سورة التوبة.
(3) الآية4. من سورة التوبة.