الصفحة 12 من 197

ولما وصل الأمر إلى علي وصار خليفة للمسلمين لم يستطع إظهار ما نفسه، لأن رعيته لم يكونوا على وفاق معه، فعاش في تقية ولم تسمح له الظروف من إرجاع الحق إلى نصابه، وفي هذا يقول الشريف المرضى أيضا في (الشافي في الإمامة) : ( فلعمري أن كثيرا من التقية زال عنه في أيام إمامته بزوال أسبابها، وبقي كثير من التقية لبقاء أسبابها، وبهذا لم ينقض جميع أحكام من تقدم ولا فسخ عقدهم، وأين أنصاره وأعوانه في الكثرة والتظاهر، والتوازر في أيام إمامته من أنصاره فيما تقدم، ولا إشكال على منصف في الفرق بين الأمرين) .

هذه القراءة الإسقاطية للتاريخ لم تقف عند التاريخ وأخبار الوقائع، بل تعداها إلى تأويل جميع الفضائل التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة في حق الصحابة على هذا الأساس، فأصبحت قراءتهم للتاريخ والقرآن والسنة، قراءة تفتيشية للسيئات، وتكبيرها وتضخيمها، ونشرها على الملأ، وتأويل حسناتهم، أو إنكارها.. وهم كما قال المعري:

أعُوذُ باللَّهِ من قومٍ، إذا سمِعوا خيرًا أسرّوهُ، أو شرًّا أذاعوهُ

وكما قال الآخر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا

ثم نظروا إلى الخلاف بين المسلمين الأوائل على أنها خلاف عقائدي وليس خلافا سياسيا تاريخيا مضى وانتهى. يقول شيخ الشيعة مرتضى المطهري في كتابه ( الإمامة: ص26 ) : ( لو إفترضنا أن الإغضاء عن سلبيات التاريخ يصح في المواطن العادية، فكيف يصح في قضية هي من الإسلام بالصميم، بل هي أس الإسلام وأهم قضية فيه. حيت تتصل بمسألة القيادة ويتوقف عليها مصير المجتمع الإسلامي. لا ريب أن الإغضاء عن قضية مثل هذه، هو في حكم الإغضاء عن قضية سعادة المسلمين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت