فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 81

وقد قيل: (الذئب يغبط وهو جائع) . فيلتوي في قراءتها، ويقبض لسانه عن بسط ما يحتاج أن ينشره منها، ويقصِّر في تفخيم حروفها ولا يملأ فمه منها.

بل لا آمن أن يتجاوز ذلك إلى الطعن عليها بقولٍ أو إشارة، فيوهم فساد معانيها ويُومي إلى سقوط ألفاظها، من غير أن يُظهر المعاداة لها، والحسد لمؤلفها، والحمل عليها بقولٍ يكون دليلًا على ما يضمر، وهو أبلغ ما يكون من قلب المستمع وأنجعه فيه، فيقع ذلك بخلده. وقد قيل: (من يسمع يخلْ) .

وليس يقابله أحدٌ بردٍ، ولا يوازيه بنزاع، فيزداد نشاطًا عندما يرى من خلاء الأمر. وقد قيل: (كلُّ مُجْرٍ في الخلاء يُسرُّ (وكلُّ مناظر متفردٍ بالنظر مسرور، وإنما يُعرف جري الخيل عند المسابقة، وبراعة النظر عند المخاصمة.

وقال لي بشرٌ المريسي: عُرض كتابي على المأمون في تحليل النبيذ، وبحضرته محمد بن أبي العباس الطوسي، فانبرى للطعن عليه والمعارضة للحجج التي فيه، وأسهب في ذلك وخطب، وأكثر وأطنب، فقلق المأمون واحتدم، وهاج واضطرم؛ لاستحقار الطُّوسي وخلاء المجلس له، وكان

يحب أن يزعه وازعٌ يكفُّه بحجةٍ تسكنه، فلما لم ير أحدًا بحضرته يذبُّ عن كتابي قال متمثلًا:

يا لك من قُبّرةٍ بمعمر ... خلا لك الجوُّ فبيضى واصفرى

ونقِّرى ما شئت أن تنقِّري

فما كان إلا ريث فراغه من التمثل بهذه الأبيات حتى استؤذن لي فدخلت عليه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول في النبيذ؟ فقلت: حلٌّ طلقٌ يا أمير المؤمنين. فقال: فما تقول فيما أسكر كثيره؟ قلت: لعن الله قليله إذا لم يسكر إلا كثيره. ثم قال: إن محمدًا يخالفك. فأقبلت على ابن أبي العباس فقلت له: ما تقول فيما قال أمير المؤمنين؟ قال: لا خلاف بيني وبينك. كلامًا يوهم به أهل المجلس، حبًّا للتسلُّم مني والتخلُّص من مناظرتي، لا على حقيقة التحليل له. فاستغنمت ذلك منه وقلت له: فما لي لا أرى أثر قواه في عقلك؟ فضحك المأمون، فلما رأيت ضحكه أطنبت في معاني تحليل النبيذ، وابن أبي العباس ساكتٌ لا ينطق، وكان قبل دخولي ناطقًا لا يسكت. فلما رأى المأمون سكوته عند حضوري مع كثرة كلامه في ثَلْب كتابي وعيبه كان قبل دخولي، قال متمثِّلًا:

ما لك لا تنبح يا كلب الدَّومْ ... قد كنت نباحًا فما لك اليومْ

ثم نظر إليَّ فقال: إنَّ الكتب عقول قومٍ وراءها عندهم حججٌ لها، فما ينبغي أن يُقضى على كتابٍ إلا إذا كان له دافع عنه، وخصمٌ يبين عما فيه؛ فإن أبناء النِّعم وأولاد الأسْد محسودون.

ثم قال: يا أبا عبد الرحمن، بإزاء كل حاسد راهن.

وقد قيل في مثلٍ من الأمثال: (الحسن محسود) . وفي مثل آخر: (لن تعدم الحسناء ذامًا) . وقال الأحنف بن قيس:

ولن تصادف مرعىً ممرعًا أبدًا ... إلا وجدت به آثار مأكول

يقول: يُعاث في كل مرعىً حسنٍ ويؤكل منه، فيعيبه ذلك.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ما أحدث الله بعبدٍ نعمةً إلا وجدت له عليها حاسدًا. ولو أن امرأً كان أقوم من القدْح لوجدت له غامزًا) .

وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: الحاسد لا يملك إلا عنان حسده؛ لآنه مغلوبٌ على نفسه.

وقال الخطاب بن نُمير السعدي: الحاسد مجنون؛ لأنه يحسد الحسن والقبيح.

وقال المهلب بن أبي صفرة: الحسد شهابٌ لا يبالي من أصاب، وعلى من وقع.

والعداوة لها عقل تسوس به نفسها فينجم قرنها، وتُبدى صفحتها في أوقات الهتْر. وإلا فإنها كامنةٌ تنتهز أزمنة الفرص. والحسد مسلوب المعقول بإزاء الضَّمير في كل حينٍ وزمانٍ ووقت.

ومن لؤم الحسد أنه موكل بالأدنى فالأدنى، والأخصِّ فالأخص. والعداوة وإن كانت تقبَّح الحسن فهي دون الحسد؛ لأن العدو المباين قد يحول وليًّا منافقًا، كما يحول المولى المنافق عدوًّا مباينًا.

والحاسد لا يزول عن طريقته إلا بزوال المحسود عليه عنده. والعداوة تحدث لعلةٍ، فإذا زالت العلة زالت معها. والحسد تركيب لعله يحسد عليه فهو لا يزول إلا بزواله. ومن هذا قال معاوية رحمه الله: يمكنني أن أرضي الناس كلهم إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه منها إلا زوالها.

وأعداء النعمة إذا شوركوا فيها ونالوا منها تزحزحوا عن عداوتها، وكانوا من أهلها المحامين عنها، والدافعين عن حماها.

ومن هذا قال المغيرة بن شعبة: النعمة التي يعاش فيها نعمةٌ محروسة ليس عليها ثائر يغتالها، ولا ذو حسد يحتال في غيرها.

وقال قتيبة بن مسلم: خير الخير وأحصنه خيرٌ عيش فيه. وكلُّ خيرٍ كان يرضخ بذلًا كان من المتالف ممنوعًا، ومن الغير آمنًا.

وحسَّاد النعمة إن أعطوا منها وتبحبحوا فيها، ازدادوا عليها غيظًا وبها إغراء.

والعداوة تُخلِقُ وتُمَلُّ، والحسد غضٌّ جديد، حرم أو أعطي، لا يبيد. فكلُّ حاسد عدو بحاسد. وإنما حمل اليهود على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم - وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم أنه نبيٌّ صادق ورسول محق، يقرءون بعثه في توراتهم، ويتدارسونه في بيت مدْراسهم - الحسد، وحجز بين علمائهم والإيمان به، ثم نتج لهم الحسد عداوته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت