فهرس الكتاب

الصفحة 656 من 1755

يقال للقاهر غيره: جَبَّار، نحو: {وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} [ق/ 45] ، ولتصور القهر بالعلو على الأقران قيل: نخلة جبّارة وناقة جبّار «1» .

وما روي في الخبر: «ضرس الكافر في النار مثل أحد، وكثافة جلده أربعون ذراعا بذراع الجبّار» «2»

فقد قال ابن قتيبة: هو الذراع المنسوب إلى الملك الذي يقال له: ذراع الشاة «3» .

فأمّا في وصفه تعالى نحو: {الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [الحشر/ 23] ، فقد قيل: سمي بذلك من قولهم: جَبَرْتُ الفقير، لأنّه هو الذي يجبر الناس بفائض نعمه، وقيل: لأنه يجبر الناس، أي: يقهرهم على ما يريده «4» .

ودفع بعض أهل اللغة «5» ذلك من حيث اللفظ، فقال: لا يقال من: «أفعلت» فعّال، فجبّار لا يبنى من: أجبرت، فأجيب عنه بأنّ ذلك من لفظ الجبر المروي في قوله: «لا جَبْرَ ولا تفويض» لا من لفظ الإجبار «6» ،

وأنكر جماعة من المعتزلة ذلك من حيث المعنى فقالوا: يتعالى الله عن ذلك، وليس ذلك بمنكر فإنّ الله تعالى قد أجبر الناس على أشياء لا انفكاك لهم منها حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية، لا على ما تتوهمه الغواة والجهلة، وذلك كإكراههم على المرض والموت والبعث، وسخّر كلا منهم لصناعة يتعاطاها، وطريقة من الأخلاق والأعمال يتحرّاها، وجعله مجبرا في صورة مخيّر، فإمّا راض بصنعته لا يريد عنها حولا، وإمّا كاره لها يكابدها مع كراهيته لها، كأنه لا يجد عنها بدلا ولذلك قال تعالى: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون/ 53] ، وقال عزّ وجل: {نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا} [الزخرف/ 32] ، وعلى هذا الحدّ وصف بالقاهر، وهو لا يقهر إلا على ما تقتضي الحكمة أن يقهر عليه، وقد روي عن أمير المؤمنين رضي الله عنه: (يا بارئ المسموكات وجبّار القلوب على فطرتها شقيّها وسعيدها) .

وقول ابن قتيبة «7» : هو من: جبرت العظم، فإنه جبر القلوب على فطرتها من المعرفة، فذكر لبعض ما دخل في عموم ما تقدّم. وجَبَرُوت: فعلوت من التجبر، واسْتَجْبَرْتُ حاله: تعاهدت أن أجبرها، وأصابته مصيبة لا يَجْتَبِرُهَا أي: لا يتحرّى لجبرها من عظمها، واشتق من لفظ جبر العظم الجَبِيرَة:

للخرقة التي تشد على المَجْبُور، والجِبَارة للخشبة التي تشدّ عليه، وجمعها جَبَائِر، وسمّي الدّملوج «8» جبارة تشبيها بها في الهيئة، والجبار: لما يسقط من الأرش.

(1) غريب الحديث لابن قتيبة 1/ 615.

(2) قوله عليه السلام: «ضرس الكافر في النار مثل أحد» هذا الشطر صحيح متفق على صحته. وأخرجه البخاري في صحيحه. انظر: فتح الباري 11/ 415، وأخرجه أحمد 2/ 328، وابن حبان (انظر: الإحسان 9/ 284) ، ومسلم (2851) ، وعارضة الأحوذي 10/ 47. وقوله: «وكثافة جلده ... » قال ابن حجر: وأخرجه البزار عن أبي هريرة بسند صحيح بلفظ: «غلظ جلد الكافر وكثافة جلده اثنان وأربعون ذراعا بذراع الجبّار» وأخرجه البيهقي، وعند ابن المبارك في الزهد بسند صحيح: «وكثافة جلده سبعون ذراعا» . انظر: فتح الباري 11/ 423، والزهد لابن المبارك ص 87، وشرح السنة 15/ 250.

(3) قال ابن حجر: وجزم ابن حبان لما أخرجه في صحيحه بأنّ الجبار ملك كان باليمن. انظر: فتح الباري 15/ 423.

(4) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي ص 48.

(5) وهو ابن قتيبة في غريب الحديث 2/ 145.

(6) قال ابن الأثير: يكون من اللغة الأخرى، يقال: جبرت وأجبرت بمعنى قهرت. وانظر: النهاية 1/ 236، ومعاني الفراء 3/ 81، والغريبين 1/ 312.

(7) غريب الحديث 2/ 145.

(8) هو الحجر الأملس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت