(كذب)
قد تقدّم القول في الْكذبِ مع الصّدق، وأنه يقال في المقال والفعال، قال تعالى: {إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [النحل/ 105] ، وقوله: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ} [المنافقون/ 1] وقد تقدّم أنه كذبهم في اعتقادهم لا في مقالهم، ومقالهم كان صدقا، وقوله: {لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ} [الواقعة/ 2] فقد نُسِبَ الكَذِبُ إلى نفس الفعل، كقولهم: فعلة صادقة، وفعلة كاذبة، قوله: {ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ} [العلق/ 16] ، يقال: رجل كَذَّابٌ وكَذُوبٌ وكُذُبْذُبٌ وكَيْذَبَانُ.
كلّ ذلك للمبالغة، ويقال: لا مَكْذُوبَة، أي: لا أكذبك، وكذبتك حديثا، قال تعالى: {الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة/ 90] ، ويتعدّى إلى مفعولين نحو: صدق في قوله: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ} [الفتح/ 27] .
يقال: كَذَبَهُ كَذِبًا وكِذَّابًا، وأَكْذَبْتُهُ: وجدته كاذبا، وكَذّبْتُه: نسبته إلى الكذب صادقا كان أو كاذبا، وما جاء في القرآن ففي تَكْذِيبِ الصادق نحو: {كَذَّبُوا بِآياتِنا} [آل عمران/ 11] ، {رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ} [المؤمنون/ 26] ، {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ} [ق/ 5] ، {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا} [القمر/ 9] ، {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ} [الحاقة/ 4] ، {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} [الحج/ 42] ، {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [فاطر/ 25] ، وقال: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ} [الأنعام/ 33] قرئ بالتخفيف والتّشديد «1»
ومعناه: لا يجدونك كاذبا ولا يستطيعون أن يثبتوا كذبك، وقوله: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} [يوسف/ 110] أي: علموا أنهم تلقوا من جهة الذين أرسلوا إليهم بالكذب، ف «كذّبوا» نحو: {فسّقوا وزنّوا وخطّئوا: إذا نسبوا إلى شيء من ذلك، وذلك قوله: فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} [فاطر/ 4] وقوله: {فَكَذَّبُوا رُسُلِي} [سبأ/ 45] ، وقوله: {إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ} [ص/ 14] ، وقرئ: كذبوا «2» بالتّخفيف. من قولهم: كذبتك حديثا.
أي: ظنّ المرسل إليهم أنّ المرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به أنهم إن لم يؤمنوا بهم نزل بهم العذاب، وإنما ظنّوا ذلك من إمهال الله تعالى إيّاهم وإملائه لهم، وقوله: {لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا كِذَّابًا} [عمّ/ 35]
الْكِذَّابُ: التّكذيب. والمعنى: لا يُكَذِّبُونَ فَيُكَذِّبُ بعضهم بعضا، ونفي التّكذيب عن الجنة يقتضي نفي الكذب عنها، وقرئ: كذابا «3» من الْمُكَاذَبَةِ.
أي: لا يَتَكَاذَبُونَ تَكَاذُبَ الناس في الدنيا، يقال: حمل فلان على قرنه فكذب «4» ، كما يقال في ضدّه: صدق. وكَذَبَ لبنُ الناقة: إذا ظنّ أن يدوم مدّة فلم يدم. وقولهم: (كَذَبَ عليك الحجُّ) «5» قيل: معناه وجب فعليك به، وحقيقته أنه في حكم الغائب البطيء وقته، كقولك: قد فات الحجّ فبادر، أي: كاد يفوت. وكَذَبَ عليك العسلَ «6» بالنّصب، أي: عليك بالعسل، وذلك إغراء، وقيل: العسل هاهنا العسلان، وهو ضرب من العدو، والْكَذَّابَةُ: ثَوْبٌ يُنْقَشُ بلونِ صِبْغٍ كأنه موشى، وذلك لأنه يُكَذَّبُ بحاله.
(1) قرأ نافع والكسائي بالتخفيف، والباقون بالتشديد. انظر: الإتحاف ص 207.
(2) وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف. انظر: الإتحاف ص 268.
(3) وهي قراءة الكسائي. انظر: الإتحاف ص 431.
(4) قال الزمخشري: ومن المجاز: حمل فلان ثم كذّب: إذا جبن ونكل، ومعناه: كذّب الظن به، أو جعل حملته كاذبة غير صادقة. انظر: أساس البلاغة (كذب) . وقال شمّر: يقال للرجل إذا حمل ثم ولّى ولم يمض: قد كذّب عن قرنه تكذيبا، والتكذيب في القتال ضد الصدق فيه. اللسان (كذب) . [ ]
(5) قال أبو عبيد: في حديث عمر: (كذب عليكم الحج، كذب عليكم العمرة، كذب عليكم الجهاد ثلاثة أسفار كذبن عليكم) انظر: غريب الحديث 3/ 248، وأخرجه عبد الرزاق في المصنّف 5/ 172.
(6) الحديث: إنّ عمرو بن معديكرب شكا إلى عمر بن الخطاب المعص، فقال: كذب عليك العسل. يريد:
العسلان، وهو مشي الذئب. أي: عليك بسرعة المشي.
والمعص: التواء في عصب الرّجل. انظر: النهاية 4/ 158، والفائق 2/ 200، واللسان (كذب) .