فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 1755

(كان)

كَانَ: عبارة عمّا مضى من الزمان، وفي كثير من وصف الله تعالى تنبئ عن معنى الأزليّة، قال: {وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب/ 40] ، {وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} [الأحزاب/ 27] وما استعمل منه في جنس الشيء متعلّقا بوصف له هو موجود فيه فتنبيه على أن ذلك الوصف لازم له، قليل الانفكاك منه. نحو قوله في الإنسان: {وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا} [الإسراء/ 67] {وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا} [الإسراء/ 100] ، {وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف/ 54] فذلك تنبيه على أن ذلك الوصف لازم له قليل الانفكاك منه، وقوله في وصف الشّيطان: {وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا} [الفرقان/ 29] ، {وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء/ 27] .

وإذا استعمل في الزمان الماضي فقد يجوز أن يكون المستعمل فيه بقي على حالته كما تقدّم ذكره آنفا، ويجوز أن يكون قد تغيّر نحو: كَانَ فلان كذا ثم صار كذا.

ولا فرق بين أن يكون الزمان المستعمل فيه كان قد تقدّم تقدما كثيرا، نحو أن تقول: كان في أوّل ما أوجد الله تعالى، وبين أن يكون في زمان قد تقدّم بآن واحد عن الوقت الذي استعملت فيه كان، نحو أن تقول: كان آدم كذا، وبين أن يقال: كان زيد هاهنا، ويكون بينك وبين ذلك الزمان أدنى وقت، ولهذا صحّ أن يقال: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} [مريم/ 29] فأشار بكان أنّ عيسى وحالته التي شاهده عليها قبيل. وليس قول من قال: هذا إشارة إلى الحال بشيء، لأنّ ذلك إشارة إلى ما تقدّم، لكن إلى زمان يقرب من زمان قولهم هذا.

وقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران/ 110] فقد قيل: معنى كُنْتُمْ معنى الحال «1» ، وليس ذلك بشيء بل إنما ذلك إشارة إلى أنّكم كنتم كذلك في تقدير الله تعالى وحكمه،

وقوله: {وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ} [البقرة/ 280] فقد قيل: معناه: حصل ووقع، والْكَوْنُ يستعمله بعض الناس في استحالة جوهر إلى ما هو دونه، وكثير من المتكلّمين يستعملونه في معنى الإبداع.

وكَيْنُونَةٌ عند بعض النّحويين فعلولة، وأصله:

كَوْنُونَةٌ، وكرهوا الضّمة والواو فقلبوا، وعند سيبويه «2» كَيْوِنُونَةٌ على وزن فيعلولة، ثم أدغم فصار كَيِّنُونَةً، ثم حذف فصار كَيْنُونَةً، كقولهم في ميّت: ميت. وأصل ميّت: ميوت، ولم يقولوا كيّنونة على الأصل، كما قالوا: ميّت، لثقل لفظها. و «الْمَكَانُ» قيل أصله من: كَانَ يَكُونُ، فلمّا كثر في كلامهم توهّمت الميم أصليّة فقيل:

تمكّن كما قيل في المسكين: تمسكن، واسْتَكانَ فلان: تضرّع وكأنه سكن وترك الدّعة لضراعته.

قال تعالى: {فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ} [المؤمنون/ 76] .

(1) قال القرطبي: وقيل: «كان» زائدة، والمعنى: أنتم خير أمة. وأنشد سيبويه:

وجيران لنا كانوا كرام

ومثله قوله تعالى: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، وقوله: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ.

انظر: تفسير القرطبي 4/ 170 - 171.

(2) الكتاب 4/ 365.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت