وقد جمع اللّه تعالى بين رونق العقل ومتعة الدنيا بتسمية الزخرف فقال تعالى: {وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ. وزخرفاً} الزخرف:34، وكما قال (زخرفاً من القول غروراً) فذهاب الجاهل بالاستحسان لزخرف القول من المموّه من غلّ الدنيا كمتعة الجاهل من أبناء الدنيا بزخرف الذهب ذاهباً عن حقيقة الأمر والزخرف ما يموّه على الذهب، فيشبه به يحسبه الجاهل والصبي عين الذهب، كذلك الزخرف من القول: ما يموّه ويشبه على العلم يحسبه المستمع من الجهّال علماً، فكذلك جمع بينهما في التسمية الزخرف، وقد قيل إن الزخرف هو الذهب فعلى هذا شبّه قول الغرور بالذهب الذي يذهب بقاؤه وتقلّ حقيقته عند الربانيين وأهل الحقيقة الزاهدين إذ شبهه الأنبياء والصديقون كالحجر والمدر، وكان الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه يقول: تركوا العلم وأقبلوا على الغراس، ما أقل العلم فيهم واللّه المستعان، وقال الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه: لم يكن الناس فيما مضى يسألون عن هذه الأمور كما يسأل الناس اليوم ولم يكن العلماء يقولون حرام ولا حلال في أكثر الأمور أدركتهم يقولون مستحب ومكروه، وكان مالك كثير التوقف في الأجوبة إذا سئل ويكثر أن يقول لا أدري سل غيري وقال رجل لعبد الرحمن بن مهدي ألا ترى إلى قول فلان في العلم حلال وحرام وقطعه في الأمور بعلمه يعني رجلاً من أهل الرأي وإلى قول مالك: إذا سئل أحسب، فقال عبد الرحمن: ويلك قول مالك أحسب أحسب أحبّ إليّ من قول فلان: أشهد أشهد، وكان هشام بن عروة يقول: لا تسألوهم اليوم عمّا أحدثوا فإنهم قد أعدوا له جواباً، ولكن اسألوهم عن السنن فإنهم لا يعرفونها، وكان الشعبي رحمه اللّه تعالى إذا نظر إلى ما أحدث الناس من الرأي والهوى يقول: لقد كان القعود في هذا المسجد أحبّ إليّ مما يعدل به فمذ صار فيه هؤلاء المراؤون فقد بغضوا إلي الجلوس فيه ولأن أقعد على مزبلة أحب إليّ من أن أجلس فيه وكان يقول ما حدثوك عن السنن والآثار فخذ به وما حدثوك عما أحدثوا من رأيهم فامخط عليه، وقد قال مرة: فبل عليه، وقد كان السلف يستحبون العي والبله عن علوم المعقول، وقد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان إذ قرنه بالحياء فقال: الحياء والعي شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق.
وقال عليه السلام: أبغض الخلق إلى اللّه عزّ وجلّ البليغ الذي يتخلل الكلام بلسانه كما يتخلل الباقر الخلا بلسانها يعني الحشيش الرطب، وقال في حديث آخر: العيّ عن اللسان لا عيّ القلب، وقال: إن اللّه عزّ وجلّ كره لكم البيان كل البيان فصار الفقه إنما هو فقه القلب عن الرب سبحانه وتعالى وصار فقه اللسان بالبيان إنما هو عيّ القلب عن الشهادة والإيقان وعيّ اللسان وطول الصمت الذي كان يستحبه السلف هو اليوم عيب، ومن المتكلمين من لا يعرف من كلام البدع وعلم المنافقين الذي ذمه القدماء هو اليوم سنّة وأهل النطق به هم العلماء اليوم، ولقد صار المعروف منكراً والمنكر معروفاً وصار السنّة بدعة والبدعة سنّة، وكذلك جاءت به الأخبار في وصف علماء آخر الزمان.
وفي الخبر المشهور: إن الله تعالى يبغض الثرثارين المتشدقين، فمن غلب عليه هذا الوصف فكان متشدقاً بليغاً في علم الرأي والمعقول عيي القلب عن مشاهدة اليقين وعلم الإيمان كان إلى النفاق أقرب، ومن حقيقة الإيمان أبعد، وقد كان أبو سليمان الداراني يقول: لا ينبغي لمن ألهم شيئاً من الخيرات أن يعمله حتى يسمع به في الأثر فيحمد اللّه تعالى إذا وافق ما في نفسه.