وجبلات النفس الأربعة هي أصول ما تفرّع من هواها وهي مقتضى ما فطرها عليه مولاها: أولها الضعف وهو مقتضى فطرة التراب، ثم البخل وهو مقتضي جبلة الطين، ثم الشهوة وموجبها الحمائم، الجهل وهو ما اقتضاه موجب الصلصال وهذه الصفات على معاني تلك الجبلات للابتلاء بالأمشاج ففيه بدء الأمت والإعوجاج، ذلك تقدير العزيز العليم، ثم إن النفس مبتلاة بأوصاف أربعة متفاوتة: أولها معاني صفات الربوبية نحو الكبر والجبرية وحب المدح والعز والغنى ومبتلاة بأخلاق الشياطين مثل الخداع والحيلة والحسد والظنة ومبتلاة بطبائع إليها ثم وهو حب الأكل والشرب والنكاح وهي مع ذلك كله مطالبة بأوصاف العبودية مثل الخوف والتواضع والذل بمعنى ما قلناه، قيل: إنها خلقت متحركة وأمرت بالسكوت وإني لها بذلك إن لم يتداركها المالك وكيف تسكن بالأمر إن لم يسكنها محركها بالخير فلا يكون العبد عبداً مخلصاً حتى يكون للمعاني الثلاث مخلصاً فإذا تحقق بأوصاف العبودية كان خالصاً من المعاني التي هي بلاؤه من صفات الربوبية، فإخلاص العبودية للوحدانية عند العلماء الموحدين أشد من الإخلاص في المعاملة عند العاملين، وبذلك رفعوا إلى مقامات القرب وذلك أنه لا يكون عندهم عبداً حتى يكون مما سوى اللَّه عزّ وجلّ حراً فيكف يكون عبد رب وهو عبد عبد لأن ما قاده إليه فهو إلهه وماترتب عليه فهو ربه وهذا شرك في الإلهية عند المتألهين ومرج بالربوبية عند الربانيين فهو متعوس منكوس بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول: تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الزوجة، تعس عبد الحلة، فهؤلاء عبيد العدد الذين قال مولاهم: إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً لقد أحصاهم وعدّهم عداً أصحاب النفوس الأمّارة بالسوء المسوَّلة الموافقة للهوى المخالفة للمولى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً إلى آخر وصفهم أولو النفس المرحومة المطمئنة المرضية هم عباد الرحمن أهل العلم والحكمة علمهم من لدنه واختارهم لنفسه ولا يكون المريد بدلاً حتى يبدل بمعاني صفات الربوبية صفات العبودية وبأخلاق الشياطين أوصاف المؤمنين وبطبائع البهائم أوصاف الروحانيين من الأذكار والعلوم، فعندهاكان بدلاً مقرباً والطريق إلى هذا بأن يملك نفسه فيملكها وتسخر له فيسلط عليها فإن أردت أن تملك نفسك فلا تملكها وضيّق عليها ولا توسع لها فإن ملكتها ملكتك وإن لم تضيّق عليها اتسعت عليك فإن أردت الظفر بها فلا تعرضها لهواها واحتبسها عن معتاد بلاها فإن لم تمسكها انطلقت بك وإن أردت أن تقوى عليها فأضعفها بقطع أسباب هواها وحبس مواد شهواتها وإلا قويت عليك فصرعتك فأول الملكة لها أن تحاسبها في كل ساعة وتراقب حسبتها في كل وقت وتقف عند كل همة من خواطرها فإن كانت الهمة للَّه عزّ وجلّ سابقت الموت وبادرت الفوت في إمضائها وإن كانت الهمة لغير اللَّه تعالى سابقت وبادرت في محوها لئلا تثبت وعملت في الإستبدال بها كيلا تستبدل بك، وفي تأويل الخبر المروي البر يزيد في العمر وهو معنى الدعاء المشهور من قول الناس: جعل اللَّه في عمرك البركة، وقد بورك له في عمره، فإن البركة في العمر أن تدرك في عمرك القصير بيقظتك ما فات غيرك من عمره الطويل بغفلته فيرتفع لك في سنة ما لا يرتفع له في عشرين سنة وللخصوص من المقربين في مقامات القرب عند التجلي بصفات الرب الحاق برفيع الدرجات وتدارك ما فات عند أذكارهم وأعمال قلوبهم اليسيرة في هذه الأوقات، فكل ذرة من ذكر بتسبيح أو تهليل أو حمد أو تدبر وتبصرة وتفكر وتذكرة بمشاهدة قرب ووجد برب ونظرة إلى حبيب ودنو إلي قريب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الغافلين الذين هم بنفوسهم واجدون وللخلق مشاهدون مثل العارفين فيما ذكرته من قيامهم بمشاهدتهم ورعايتهم لأمانتهم وعهدهم في وقت قربهم وحضورهم مثل العامل في ليلة القدر العمل فيها لمن وافقها خير من ألف شهر، وقد قال بعض العلماء كل ليلة للعارف بمنزلة ليلة القدر.