فهرس الكتاب

الصفحة 668 من 922

وقال آخرون: يعني طلب علم التوحيد فرض وإنما اختلفوا في كيفية الطلب وماهية الإصابة، فمنهم من قال من طريق الاستدلال والاعتبار، ومنهم من قال من طريق البحث والنظر، ومنهم من قال من طريق التوفيق والأثر، وقالت طائفة من هؤلاء: إنما أراد طلب علم الشبهات والمشكلات إذا سمعها العبد وابتلى بها وقد كان يسعه ترك الطلب إذا كان غافلاً عنها على أصل التسليم ومعتقد جملة المسلمين لا يقع في وهمه ولا يحيك في صدره شيء من الشبهات فيسعه ترك البحث فإذا وقع في سمعه شيء من ذلك ووقر في قلبه ولم يكن عنده تفصيل ذلك وقطعه ومعرفة تمييز حقه من باطله لم يحل له أن يسكت عليه لئلا يعتقد باطلاً أو ينفي حقاً فافترض عليه طلب ذلك من العلماء به فيستكشفه حتى يكون على اليقين من أمره فيعتقد من ذلك الحق وينفي الباطل ولا يقعد عن الطلب فيكون مقيماً على شبهة فيتبع الهوى أو يكون شاكاً في الدين فيعدل عن طريق المؤمنين أو يعتقد بدعة فيخرج بذلك عن السنة ومذهب الجماعة وهو لا يعلم، ولهذا المعنى كان أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه يقول في دعائه: اللّهم أرنا الحق حقاً فنتبعه وأرنا الباطل باطلاً فنجتنبه ولا تجعل ذلك متشابهاً علينا فنتبع الهوى، وهذا مذهب أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي وداود بن علي والحسين الكرابيسي والحرث بن أسد المحاسبي ومن تابعهم من المتكلمين، فهذه أقوال العلماء في معنى هذا الخبر: حكينا ذلك عن علمنا بمذاهبهم على معنى مذهب كل طائفة واحتججنا لكل قول، فالألفاظ لنا والمعنى لهم وهذا كله حسن ومحتمل وهؤلاء كلهم وإن اختلفوا في تفسير الحديث بألفاظ فإنهم متقاربون في المعنى إلا أهل الظاهر منهم فإنهم حملوه على ما يعلمونه وأهل الباطن تأولوه على علمهم ولعمري أن الظاهر والباطن علمان لا يستغني أحدهما عن صاحبه بمنزلة الإسلام والإيمان مرتبط كل واحد بالآخر كالجسم والقلب لا ينفك أحدهما عن صاحبه، وهؤلاء المختلفون في الأقوال مجمعون أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد بذلك طلب علم الأقضية والفتاوى ولا علم الاختلاف والمذاهب ولا كتب الأحاديث مما لا يتعين فرضه وإن كان اللّه تعالى لا يخلى من ذلك من يقيمه بحفظه والذي عندنا في حقيقة معنى هذا الخبر واللّه أعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم: طلب العلم فريضة يعني علم هذه الفرائض الخمس التي بني الإسلام عليها من حيث لم يفترض على المسلمين غيرها، ثم إن العمل لا يصح إلا بعلمه فأول العمل العلم به فصار علم العمل فرضاً من حيث افترض العمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت