فهرس الكتاب

الصفحة 618 من 922

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أربع من كنّ فيه فهو منافق خالص، وإن صام وصلّى وزعم أنه مؤمن؛ من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا خاصم فجر، وفي بعض هذا الحديث: وإذا عاهد غدر؛ فصارت خمساً، فإن كانت فيه واحدة منهن ففيه شعبة من نفاق حتى يدعها، وفي حديث أبي سعيد الخدري وأبي كبشة الأنماري: القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن، وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كالبقلة يمدّها الماء العذب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدّها القيح والصديد، فأي المدتين غلبت عليه حكم له بها، وفي لفظ آخر: أيهما غلبت عليه ذهب به.

وفي الخبر: الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أنّ لا إله إلا اللّه وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، ففي تبعيض أخلاق الإيمان وفي وجود دقائق الشرك وشعب النفاق ما يوجب الاستثناء في كمال الإيمان لجواز اجتماع الإيمان والنفاق في القلب ولوجود شعب النفاق وعدم بعض شعب الإيمان من القلب، كيف وقد جاء في الخبر: أكثر منافقي أمتي قراؤها، والحديث الآخر: الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا، وقال حذيفة: كان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يصير بها منافقاً إلى أن يموت: إني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرات، وفي حديث عليّ كرّم اللّه وجهه: أنّ الإيمان ليبدو لمعة بيضاء؛ فإذا عمل العبد الصالحات نما وزاد حتى يبيضّ القلب كله، وأنّ النفاق ليبدو نكتة سوداء فإذا انتهكت الحرمات نمت وزادت حتى يسوّد القلب فيطبع عليه؛ فذلك الختم، ثم قال تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} المطففين: 41؛ فهذا كله موجب للاستثناء في الإيمان خشية خفايا الشرك ووجود دقائق النفاق وخوفاً من الدعوى للحقيقة والكمال، لأن من قال: إني مؤمن حقّاً فقد زكى نفسه وعصى ربه، لأن اللّه تعالى نهى عن الزكية للنفس، وعرض المزكي نفسه للكذاب في قوله تعالى: {فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} النجم: 32، وبقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} النساء: 49، ثم قال تعالى: {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ} النساء: 5،، وقد قال إبراهيم عليه السلام في تفسير أحد الوجهين من قوله تعالى: {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً} الأنعام: 8،، ومثله قال شعيب: وما يكون لنا أن نعود فيها، يعني ملة الكفر، إلاّ إن يشاء اللّه ربنا، ثم علّلا جميعاً بسعة العلم وسبق المشيئة به فلم يأمنا أن يكونا في سعة علم اللّه عزّ وجلّ وفي خفيّ مشيئته؛ وهذا هو خوف المكر، وحقيقة المكر معنيان؛ أحدهما أن يظهر شيئاً ويخفي ضده، والثاني أن يكشف ما كان ستره ويفشي ما كان أسره بعد الطمأنينة والعزة، والأنبياء مع فضلهم ومكانهم يستثنون في الكفر خيفة المكر، ولا يستثني الضعيف الجاهل في الإيمان ويغترّ بظاهر أمره، بل ينبغي أن يستثني في الإسلام أيضاً وفي جميع أعمال البرّ، لأن القبول غير العمل والسابقة غير ما ظهر من المعاملة، ولا ينبغي أن يدع الاستثناء في شيء من الأحوال.

وقال بعض العلماء في معنى قوله تعالى: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} ق: 19، قال: بالسابقة، وقال بعض السلف: إنما يوزن من الأعمال خواتيمها، وكان أبو الدرداء يحلف باللّه عزّ وجلّ: ما أحد أمن أن يسلب إيمانه إلاّ سلبه، ويقال: من الذنوب ذنوب تؤخر عقوبتها إلى سوء الخاتمة؛ وهذا من أخوف ما خافه العاملون من قوله تعالى: {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} المؤمنون: 63، وقيل: من الذنوب ذنوب لا عقوبة لها إلاّ سلب التوحيد في آخر نفس نعوذ باللّه تعالى من ذلك، وقيل: هذا يكون عقوبة الدعوى للولاية والكرامات للافتراء على اللّه تعالى، وكان سهل رحمه اللّه تعالى يقول: من علامة الأولياء أنهم يستثنون في كل شيء، وقال من قال: أفعل كذا، ولم يقل إن شاء اللّه تعالى، سئل عن هذا القول يوم القيامة فإن شاء عذبه وإنْ شاء غفر له، وقد نهى اللّه تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن لا يقول شيئاً حتى يستثني، وأمره بالاستثناء إذا نسي فقال تعالى: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ} الكهف: 23 - 24، ثم قال: {وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} الكهف: 24، أي الاستثناء، أي فاستثن إذا ذكرت فتأدب صلى الله عليه وسلم بذلك أحسن الأدب فكان يستثني في الشيء يقع لا محالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت