{إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا} يونس: 21، أي معصية بالنعم، قل اللّه أسرع مكراً أي أخفى تقليباً قد أظهر لهم نعماً أحبوها، وكانت عقوبة ونقاماً باطنة في لبس النعم الظاهرة يدر جوابها إلى درجة درجة من حيث لا يعلمون، وأشد من هذا كله خوف الاستبدال لأنه لا مشوبة فيه، وهذا حقيقة الاستدارج يقع عن نهاية المقت من المحبوب، وغاية البغض منه والبعد، والسلو مقدمة هذا المقام والإعراض والحجاب بداية ذلك كله، والقبض عن الذكر وضيق الصدر بالبر أسباب هذه المعاني المبعدة والمدارج المدرجة، إذا قويت وتزايدت أخرجت إلى هذا كله، وإذا تناقصت وبدل بها الصالحات والحسنات أدخلت في مقامات المحبة والقربات، كما جاء في الأثر الثابت عن حبيب اللّه، وكذلك في تدبر الخطاب أنّ العاكف على هواه مقيت اللّه، فوجد هذه الأوصاف منك دلائل ما عاد عنك من الاستبدال بك والإسقاط لك، والخوف من هذه المعاني علامة المعرفة بأخلاقه الملوئة، ولا يصلح شرح هذه المقامات في كتاب ولا تفصيلها برسم خطاب، إنما يشرح في قلبه بيقينه قد شرح وبفضل العبد من نفسه قد فصل، فأما قلبه مشترك وعبد في هواه مرتبك، فليس لذلك أهلاً واللّه المستعان، وثم خوف ثامن عن شهادة حب عال يغرب اسمه فيلتبس، ويخفي وصفه لقلة اشتهاره في الاستماع فيجهل، لم نسمه لأنه خوف عن مقام له اسم من المحبة، فيشتبه على كثير من سامعيه فينكرونه ويتشنج في أوهام غير مشاهديه بالخلق فيمثلونه، لأن أسماء صفات الخلق ملتبسة بمعنى صفات الخالق، وإنما لهم من ذلك مايعلمون وهم بعلومهم محجوبون، فكيف بها يشهدون، فإن ذكرنا خوفه ثم على ذكر مقامه فظهر بإظهاره، فكان طيه أفضل من نشره إلى أن يسأل عنه من ابتلي بمصدره عنه، بعد أن نشرت منه لأن مقامات المحبة كلها إلى جنب مقامه، كنهر ضيف إلى بحر مثله، كمثل مشاهدات اليقين كلها إلى جنب شهادة التوحيد بالتوحيد، وهو وصف من المحبة يعرف لأنّه من شوق الحبيب إلى المحب، وهو من معنى قول رابعة آنفاً: حبّ الهوى، ومن معنى قول عائشة رضي اللّه عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: أرى ربّك يسارع إلى هواك، ومن صدر عن مقام محبّ بعد وروده رفع إلى هذا المقام لأنه في مقام محبوب لجميل مشاهدات اليقين، وقد كان الجنيد رحمه اللّه ينشد هذين
البيتين كثيراً: تين كثيراً:
ومن بعد هذا ما تدق صفاته ... وما كتمه أحظى لديه وأعدل
ألا أنَّ للرحمن سرًّا يسرّه ... إلى أهله في السرّ والستر أجمل
وقد ذكرنا معناه بعض المحبوبين في كلام منظوم في بيتين وهما: