وسئل بعض العلماء عن بعض الزّاد فسكت عنه فقال: تعلم به بأسًا؟ فقال: ما أعلم به بأسًا إلاّ في شيء واحد مكروه يأكل في الخلوة ما لا يأكله في الجماعة، فأعلّه بذلك، ولعمري أنه موضع علّة؛ لأن الصادقين قد كانوا يأكلون في الجماعة ما لا يأكلون في الخلوة، فهذا ضد حالهم، فإن اتفق للعبد لونان أحدهما ألطف من الآخر ابتدأ فأكل الألطف منهما، فلعل كفايته تتّم به فيستريح من الآخرة، فإنما قدم أهل الدنيا غليظ الألوان على رقيقه ليتسعوا في الأكل وتنفتق شهواتهم فيكون لكل لون لطيف مكان آخر، وشبّه بعضهم المعدة بمنزلة جراب ملأته جوزًا حتى لم يبقَ فيه فضل للجوز، فجئت بسمسم فصببته عليه، فأخذ لنفسه موضعًا في خلال الجوز، فوسّع الجراب السمسم للطفه مع الجوز؛ فكذلك المعدة إذا ألقيت فيها طعامًا رقيقًا لطيفًا بعد طعام غليظ خشن أخذته الشهوات في أماكنها فتمكن فيها بعد الشبع مما قبله والعرب تعيب ذلك ولا تفعله إذ من سنتها أن تبتدئ باللحم قبل الثريد، قال رجل لبعض الأنباط: أنت من الذي يبتدئون بالثريد قبل الشواء، يذم أهل العراق بذلك هذا إذا استوى اللونان في الحكم أو لم يكن للمريد في ترك الأفضل منهما نية، فأما إن كان قد ترك الشهوات ثم قدمت إليه وكان على عقد نيته وقوة عزمه فلا بأس بأكل الأدون، وقد كان بعض الصادقين ممن ترك أكل الشهوات في الانفراد إذا قدمت إليه نال منها شيئًا يسيرًا ليستر عن نفسه أبصار الناظرين ويصرف عنه قلوب المادحين، وقال أبو سليمان: إذا قدمت إلىك شهوة وقد كنت تاركًا لها فَأصِبْ منها يسيرًا ولاتعط نفسك منتهاها فتكون قد أسقطت عن نفسك الشهوة، وتكون قد نغصت على نفسك، إذ لم تبلغ في شهوتها؛ فإن فعل هذا فحسن، لأن أبا سليمان خاف عليه ما ذكرناه قبيل من يظهر ترك الشهوة فيصير متعته باعتقاد فضله من ترك الشهوات أبلغ من كل الشهوات لو أن يأكلها فيسرف على نفسه بلوغ شهوته التي كان تركها بعلة الإخلاص، كما تقول العامة: بعلة الصبي تشبع الدابة، فإن قوي يقينه وغاب الخلق عن عينه تركها وقلبه مطمئن بالإيمان لأنه لم