فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 922

فليتركه حينئذ لأجل اللّه خوفًا أن يشتهيه فيحرص على مثله، ويدخل مداخل السوء من أجله، ويبيع دينه فيه أو خشية تمكّن العادة فيه، فتعذر عليه التوبة لدخوله في الشبهات عند اعتياد الشهوات لأنّ العادة جند اللّه تغلب العقل، والابتلاء سلطان من سلطان اللّه تعالى يقهر العلم، لأجله تعذرت الاستقامة، ولولا العداوة لكان الناس تائبين، ولولا الابتلاء لكان التائبون مستقيمين، فليترك حينئذ أكل الطيّبات إذا صارت شهوات، وخشي منها مطالبة العادات، ودعاوي النفس بالآفات، ناويًا بذلك ما ذكرناه لصلاح قلبه، وتسكين نفسه، ليملك بذلك نفسه قبل أن تملكه، ويفطم عادتها قبل أن تهلكه، ويغلب بالترك طبعه وهواه قبل أن يكونا بالشهوة يغلبانه، كما قال بعض الحكماء: إن لأقضي عامة حوائجي بالترك فيكون أروح لنفسي، وكما قال آخر: إذا أردت أن أستقرض من غيري لشهوة استقرضت من نفسي فتركت الشهوة فهي خير غريم لي، فيصير الترك حينئذ والمنع للنفس غذاء وعادة، كما كان الأخذ والأكل عادة، ففي هذا عون له على صلاح قلبه ودوام حاله، وكان إبراهيم بن أدهم يسأل أصحابه عن الشيء من المأكول فيقال: إنه غال، فيقول له: أرخصو ه بتركه، وقال بعض الأدباء في معناه:

وإذا غلا شيء على تركه ... فيكون أرخص ما يكون إذا غلا

وهو حينئذ تارك للشهوات لأجل اللّه تعالى وعامل من عمال اللّه؛ وقد كان هذا طريق طائفة من السلف إلى اللّه تعالى، ثم انقرضوا فانمحى طريقهم وخلف بعدهم خلف من العلماء ابتغوا الشهوات؛ ولم يقاموا في هذه المقامات ولاسلك بهم هذه الطرقات، فلم يتكلموا في ترك الشهوات؛ فلذلك درس هذا الطريق وعفا أثره لفقد سالكه وعدم كاشفه، فمن عمل به وسلكه فقد أظهره، ومن أظهر فقد أحيا أهله، حدثني بعض علمائنا عن بعض المريدين من أهل البصرة قال: نازعتني نفسي خبز أرزة وسمكًا فمنعتها فقويت مطالبتها فاشتدت مجاهدتي لها عشرين سنة، قال: فمات، فرأيته في النوم فقلت: ما فعل اللّه بك؟ فقال: لا أحسن، أصف إليك ما يلقاني به ربي من النعيم والكرامة؟ وكان أول شيء استقبلني به خبز أرزة وسمكًا، فقال: كل شهوتك اليوم هنيئًا بغير حساب، وقد قال اللّه تعالى: {كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيئًَا بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} الحاقة: 24، فكأنهم أسلفوا ترك الشهوات لما تركوها، وقدموا الجوع والعطش في خلو أيامهم فاستقبلهم بالأكل والشرب، ويقال: لكل عمل جزاء في الآخرة من جنسه وبمعناه، وقال سري القطي: منذ ثلاثين سنة أشتهي أن أغمس جزرة في دبس وأنا أمنع نفسي، وكان أبو سليمان الداراني يقول: ترك شهوة من شهوات النفس أنفع للقلب من صيام سنة وقيامها، وقال: لأن أترك لقمة من عشائي أحبّ إليّ من قيام ليلة ذلك إيثارًا للتقلل وخفة للعدة من الطعام أو خشية الاعتياد للشبع، وسمعت أبا بكر بن الجلاء يقول: أنا أعرف إنسانًا تقول له نفسه: أنا أصبر لك على طيّ عشرة أيام وأطعمني بعد ذلك شهوة أشتهيها، فيقول لها: لا أريد أن تصبري على طيّ عشرة أيام، ولكن اتركي هذه الشهوة التي تشتهيها، وقال لي رجل: رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فأخذ بجلد ذراعه وجعل يقول: جعت هذا الجوع كله؟ ولم يقل لي أترك الجوع، ولو قال لي: أتركه لعله كان يتركه، وقد كان رحمه اللّه قد ترك أكل الشهوات وأكل الخبز أيضًا ثلاثين سنة، وكان الجنيد رحمه اللّه يقول: يقوم أحدهم في صلاته فيجعل بينه وبين اللّه تعالى زنبيل طعام، ويريد أن يجد حلاوة المناجاة، أو يسمع فهم الخطاب، ومثل البطن مثل الزهر وهو العود المجوف ذو الأوتار، إنما حسن صوته لخفته ورقته، ولأنه أجوف غير ممتلئ، ولو كان ثقيلًا جالسًا ممتلئًا لم يكن له صوت، وكذلك الجوف إذا خلا من الامتلاء كان أرقّ للقلب وأعذب للتلاوة وأدوم للقيام وأقل للمنام، وروي عنه أنّ عتبة الغلام قل لعبد الواحد بن زيد: إنّ فلانًا يصف من قلبه منزلة لا أعرفها، قال: إن فلانًا لا يأكل التمر وأنت تأكله، قال: فأنا إنْ تركت التمر وأكله عرفت تلك المنزلة، قال: نعم وغيرها، فأخذ يبكي فقال له بعض أصحابه أبكى اللّه عنك أعلى التمر تبكي؟ فقال عبد الواحد: دعه فإن نفسه عرفت صدق عزمه في الترك، هو إذا ترك شيئًا لم يعاود فيه أبدًا، وكان بعض أشياخنا ترك أكل الخبز الحار لأن كان يحبه ويشتهيه سنين كثيرة فعوتب في ذلك فقال: لو طمعت نفس في أكل الخبز عشرين سنة ما أطعمتها الساعة، وكان ربما يبكي من شدة شهوة نفسه وشدة عزم مجاهدته لاستشعار نفسه صدقه وحسن وفائه، فتيأس من شهوتها آخر الدهر، فكذلك كان يقع عليه البكاء للإياس من المشتهي، واعلم أنّ الشهوت لا حّد لها، ومثل القوة مثل العلم ذو حدود، فكم من شهوة دنية منعت رتبة علية، فإن لم تقطع الشهوات وتحسمها أحبّ ما كانت إليك أعطتك أرغب ما تكون فيها، فلا تقعد عن التوبة تنتظر آخرها، فإن النفس لا آخر لشهواتها إلى أن ترى الملائكة فعند ذلك تمحي صفاتها فتغيب الشهوات لأنها من أوصافها، فإن لم تترك الشهوات المعتادة فلا تعمل في مثلها من الزيادة بل يكون عملك في النقصان؛ فهو أقرب إلى أخلاق الإيمان، وقد كان بعضهم يقول لأصحابه: لا تأكلوا الشهوات فإن أكلتموها فلا تطلبوها، فإن طلبتموها فلا تحبوها، وكانوا يقولون ما زاد على الخبز فهو شهوة حتى الملح، وقال بعضهم: الخبز من أكبر الشهوات واعلم أنّ مازاد على الخبز فهو فاكهة يتفكّه به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت