فهرس الكتاب

الصفحة 1586 من 2940

وكالذي قال: انزل فاجدع لنا، فقال: إن عليك نهاراً، فقال له في الثالثة أو الرابعة: انزل فاجدع لنا ويلك أو ويحك! فإذا وضح أن فعله مبدأ الحكم ومعلم الإنباء لزم صحة التأسي به في جميع أحواله، إما على بيان من تعين رتبة الحكم من وجوب أو ندب أو إباحة، أو على مطلق التأسي مع إبهام رتبة الحكم والاتكال على ما عنده هو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من العلم، فنية التأسي به على إبهام في الحكم ربما كان أتم من العمل بما تبين حكمه، أحرم علي رضي الله عنه وهو باليمن، توجه إلى مكة بإحرام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا يتطرق لشيء من أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما وقع من كونه يفتي بأمر ثم يوافق في غيره، لأن الآخذ في ذلك عن قصور في العلم بمكانته من علم رحمانية الله وكلمته وتنزيله إلى موافقة أمر سنة الله وحكمته نحو الذي أفتاه بتكفير الجهاد كل ذنب بناء على علمه برحمانية الله وإمضاء كلمته، ثم ذكر له ما قال جبرائيل عليه السلام من استثناء الدَّين مما أنزل على حكم أمر الله في محكم شرعته وسنته، يعني - والله أعلم - أن من صح جهاده تكفر كل ذنوبه، وأن توقف الدين على إرضاء الله لخصمه، فالإخبار بالكفارة ناظر إلى المآل، والإخبار بنفيها ناظر إلى الابتداء، وكذلك أفتى بترك التلقيح بناء على إنفاذ كلمة الله، وردهم إلى عادة دنياهم حين لم يتجشموا الصبر إلى ظهور كلمة الله على مستمر عادته، فقد عمل بأول فتياه غير واحد ممن لم يسترب في نفاذ حكمه وصحته فأخفق ثمرات ثلاث سنين ثم عاد - في غنى عن التلقيح - إلى أحسن من حاله في متقدم عادته، ولا يتقاصر عن إدراك ذلك من أمره في كل نازلة من نحوه إلا من لم يسم به التأييد إلى معرفة حظ من مكانته، فإذا وضح ذلك فكل فعل فعله رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن كان بياناً لواجب فهو منج من عقاب الله، وإن كان تعليماً لقربى من الله فهو وصلة إلى محبة الله كما قال تعالى {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] وإن لم يتضح له مجمل منهما تأسى بها على إبهام يغنيه عمله وتعلو به نيته، وما كان مختصاً به فلا بد من إظهار أمر اختصاصه بخطاب من الله سبحانه أو منه عليه السلام كما قال تعالى {خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] -انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت