فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 324

وليقف المتأمل عند هذا التعبير الإلهي"بعضكم من بعض"، ليعرف كيف سما القرآن بالمرأة حتى جعلها بعضًا من الرجل، وكيف حدَّ من طغيان الرجل فجعله بعضًا من المرأة. وليس في الإمكان ما يُؤدَّى به معنى المساواة أوضح ولا أسهل من هذه الكلمة التي تفيض بهاطبيعة الرجل والمرأة، والتي تتجلى في حياتهما المشتركة، دون تفاضل وسلطان (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن) .

وإذا كانت المرأة مسئولة مسئولية خاصة فيما يختص بعبادتها ونفسها، فهى في نظر الإسلام أيضًا مسئولة مسئولية عامة فيما يختص بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والإرشاد إلى الفضائل، والتحذير من الرذائل. وقد صرح القرآن بمسئوليتها في ذلك الجانب، وقرن بينها وبين أخيها الرجل في تلك المسئولية، كما قرن بينها وبينه في مسئولية الانحراف عن واجب الإيمان والإخلاص لله وللمسلمين (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) (11) (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون * وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم) .

فليس من الإسلام أن تلقى المرأة حظها من تلك المسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي أكبر مسئولية في نظر الإسلام على الرجل وحده، بحجة أنه أقدر منها عليها، أو أنها ذات طابع لا يسمح لها أن تقوم بهذا الواجب، فللرجل دائرته، وللمرأة دائرتها، والحياة لا تستقيم إلا بتكاتف النوعين فيما ينهض بأمتهما، فإن تخاذلا أو تخاذل أحدهما انحرفت الحياة الجادة عن سبيلها المستقيم ..

والإسلام فوق ذلك لم يقف بالمرأة عند حد اشتراكها مع أخيها الرجل في المسئوليات جميعها خاصها وعامها بل رفع من شأنها، وكرر تلقاء تحملها هذه المسئوليات احترام رأيها فيما تبدو وجاهته، شأنه في رأى الرجل تمامًا سواءً بسواء. وإذا كان الإسلام جاء باختيار آراء بعض الرجال، فقد جاء أيضًا باختيار رأى بعض النساء.

وفى سورة المجادلة احترم الإسلام رأى المرأة، وجعلها مجادلة ومحاورة للرسول، وجمعها وإياه في خطاب واحد (والله يسمع تحاوركما) (13) وقرر رأيها، وجعله تشريعًا عامًّا خالدًا .. فكانت سورة المجادلة أثرًا من آثار الفكر النسائى، وصفحة إلهية خالدة نلمح فيها على مر الدهور صورة احترام الإسلام لرأى المرأة، فالإسلام لا يرى المرأة مجرد زهرة، ينعم الرجل بشم رائحتها، وإنما هي مخلوق عاقل مفكر، له رأى، وللرأى قيمته ووزنه.

وليس هناك فارق ديني بين المرأة والرجل في التكليف والأهلية، سوى أن التكليف يلحقها قبل أن يلحق الرجل، وذلك لوصولها - بطبيعتها - إلى مناط التكليف، وهو البلوغ، قبل أن يصل إليه الرجل.

هكذا تضافرت الحجج المنطقية مع نصوص الاجتهاد الإسلامي على إزالة شبهة الانتقاص من أهلية المرأة، بدعوى أن النساء ناقصات عقل ودين ..

وهكذا وضحت المعاني والمقاصد الحقة لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي اتخذت منه التفسيرات المغلوطة"غطاءً شرعيًّا"للعادات والتقاليد الراكدة، تلك التي حملها البعض من غلاة الإسلاميين على الإسلام، زورًا وبهتانًا .. والتي حسبها غلاة العلمانيين دينًا إلهيًّا، فدعوا - لذلك - إلى تحرير المرأة من هذا الإسلام!.

لقد صدق الله العظيم إذ يقول: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت