وإذا كان العقل في الإسلام هو مناط التكليف، فإن المساواة بين النساء والرجال في التكليف والحساب والجزاء شاهدة على أن التفسيرات المغلوطة لهذا الحديث النبوي الشريف، هي تفسيرات ناقصة لمنطق الإسلام في المساواة بين النساء والرجال في التكليف .. ولو كان لهذه التفسيرات المغلوطة نصيب من الصحة لنقصت تكاليف الإسلام للنساء عن تكليفاته للرجال، ولكانت تكاليفهن في الصلاة والصيام والحج والعمرة والزكاة وغيرها على النصف من تكاليف الرجال!.
ولكنها"الرخصة"، التي يُؤجر عليها الملتزمون بها والملتزمات، كما يُؤجرون جميعًا عندما ينهضون بعزائم التكاليف .. إن النقص المذموم في أي أمر من الأمور هو الذي يمكن إزالته وجبره وتغييره، وإذا تغير وانجبر كان محمودًا .. ولو كانت"الرخص"التي شرعت للنساء بسقوط الصلاة والصيام للحائض والنفساء مثلًا نقصًا مذمومًا، لكان صيامهن وصلاتهن وهن حُيّض ونفساء أمرًا مقبولًا ومحمودًا ومأجورًا .. لكن الحال ليس كذلك، بل إنه على العكس من ذلك.
وأخيرًا، فهل يعقل عاقل .. وهل يجوز في أي منطق، أن يعهد الإسلام، وتعهد الفطرة الإلهية بأهم الصناعات الإنسانية والاجتماعية صناعة الإنسان، ورعاية الأسرة، وصياغة مستقبل الأمة إلى ناقصات العقل والدين، بهذا المعنى السلبى، الذي ظلم به غلاة الإسلاميين وغلاة العلمانيين الإسلام، ورسوله الكريم، الذي حرر المرأة تحريره للرجل، عندما بعثه الله بالحياة والإحياء لمطلق الإنسان (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) (4) فوضع بهذا الإحياء، عن الناس كل الناس ما كانوا قد حُمِّلوا من الآصار والأغلال (الذين يتبعون الرسول النبي الأمى الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم .. ) .
إنها تفسيرات مغلوطة، وساقطة، حاول بها أسرى العادات والتقاليد إضفاء الشرعية الدينية على هذه العادات والتقاليد التي لا علاقة لها بالإسلام .. والتي يبرأ منها هذا الحديث النبوي الشريف ..
وإذا كان لنا في ختام إزالة هذه الشبهة أن نزكى المنطق الإسلامي الذي صوبنا به معنى الحديث النبوي الشريف، وخاصة بالنسبة للذين لا يطمئنون إلى المنطق إلا إذا دعمته وزكته"النصوص"، فإننا نذكر بكلمات إمام السلفية ابن القيم، التي تقول:"إن المرأة العدل كالرجل في الصدق والأمانة والديانة".
وبكلمات الإمام محمد عبده، التي تقول:
"إن حقوق الرجل والمرأة متبادلة، وإنهما أكفاء .. وهما متماثلان في الحقوق والأعمال، كما أنهما متماثلان في الذات والإحساس والشعور والعقل، أي أن كلا منهما بشر تام له عقل يتفكر في مصالحه، وقلب يحب ما يلائمه ويُسَرُّ به، ويكره ما لا يلائمه وينفر منه .. (7) ".
وبكلمات الشيخ محمود شلتوت، التي تقول:
"لقد قرر الإسلام الفطرة التي خلقت عليها المرأة .. فطرة الإنسانية ذات العقل والإدراك والفهم .. فهى ذات مسئولية مستقلة عن مسئولية الرجل، مسئولة عن نفسها، وعن عبادتها، وعن بيتها، وعن جماعتها .. وهي لا تقل في مطلق المسئولية عن مسئولية أخيها الرجل، وإن منزلتها في المثوبة والعقوبة عند الله معقودة بما يكون منها من طاعة أو مخالفة، وطاعة الرجل لا تنفعها وهي طالحة منحرفة، ومعصيته لا تضرها، وهي صالحة مستقيمة (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يُظلمون نقيرا) (8) (فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض) ."