والآية جاءت على ما كان مألوفًا في شأن المرأة، ولا يزال أكثر النساء كذلك، لا يشهدن مجالس المداينات ولا يشتغلن بأسواق المبايعات، واشتغال بعضهن بذلك لا ينافى هذا الأصل الذي تقضى به طبيعتها في الحياة.
وإذا كانت الآية ترشد إلى أكمل وجوه الاستيثاق، وكان المتعاملون في بيئة يغلب فيها اشتغال النساء بالمبايعات وحضور مجالس المداينات، كان لهم الحق في الاستيثاق بالمرأة على نحو الاستيثاق بالرجل متى اطمأنوا إلى تذكرها وعدم نسيانها على نحو تذكر الرجل وعدم نسيانه.
هذا وقد نص الفقهاء على أن من القضايا ما تقبل فيه شهادة المرأة وحدها، وهي القضايا التي لم تجر العادة بإطلاع الرجال على موضوعاتها، كالولادة والبكارة، وعيوب النساء والقضايا الباطنية.
وعلى أن منها ما تقبل فيه شهادة الرجل وحده، وهي القضايا التي تثير موضوعاتها عاطفة المرأة ولا تقوى على تحملها، على أنهم قدروا قبول شهادتها في الدماء إذا تعينت طريقًا لثبوت الحق واطمئنان القاضى إليها. وعلى أن منها ما تقبل شهادتهما معًا.
ومالنا نذهب بعيدًا، وقد نص القرآن على أن المرأة كالرجل سواء بسواء في شهادات اللعان، وهو ما شرعه القرآن بين الزوجين حينما يقذف الرجل زوجه وليس له على ما يقول شهود (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين * والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين * ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) .
أربع شهادات من الرجل، يعقبها استمطار لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ويقابلها ويبطل عملها، أربع شهادات من المرأة يعقبها استمطار غضب الله عليها إن كان من الصادقين .. فهذه عدالة الإسلام في توزيع الحقوق العامة بين الرجل والمرأة، وهي عدالة تحقق أنهما في الإنسانية سواء .. (21) .
هكذا وضحت صفحة الإسلام .. وصفحات الاجتهاد الإسلامي في قضية مساواة شهادة المرأة وشهادة الرجل، طالما امتلك الشاهد أو الشاهدة مقومات ومؤهلات وخبرة هذه الشهادة .. لأن الأهلية الإنسانية بالنسبة لكل منهما واحدة، ونابعة من وحدة الخلق، والمساواة في التكاليف، والتناصر في المشاركة بحمل الأمانة التي حملها الإنسان، أمانة استعمار وعمران هذه الحياة.
*وأخيرًا وليس آخرًا فإن ابن القيم يستدل بالآية القرآنية: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا) (22) . على أن المرأة كالرجل في هذه الشهادة على بلاغ الشريعة ورواية السنة النبوية .. فالمرأة كالرجل في"رواية الحديث"، التي هي شهادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
وإذا كان ذلك مما أجمعت عليه الأمة، ومارسته راويات الحديث النبوي جيلًا بعد جيل"والرواية شهادة"فكيف تقبل الشهادة من المرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تقبل على واحد من الناس؟ .. إن المرأة العدل [بنص عبارة ابن القيم] كالرجل في الصدق والأمانة والديانة (23) .
ذلكم هو منطق شريعة الإسلام وكلها منطق وهذا هوعدلها بين النساء والرجال وكلها عدل وكما يقول ابن القيم:"وما أثبت الله ورسوله قط حكمًا من الأحكام يُقطع ببطلان سببه حسًّا أو عقلًا، فحاشا أحكامه سبحانه من ذلك، فإنه لا أحسن حكمًا منه سبحانه وتعالى ولا أعدل. ولا يحكم حكمًا يقول العقل: ليته حكم بخلافه، بل أحكامه كلها مما يشهد العقل والفِطَر بحسنها، ووقوعها على أتم الوجوه وأحسنها، وأنه لا يصلح في موضعها سواها" (24) .
هذا .. ولقد تعمدنا في إزالة هذه الشبهة أمران: