فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 324

وأدعو القارئ أن يقرأ النصين مرات قراءة متأنية فاحصة. وأن يجتهد بنفسه في التعرف على الفروق في المصدرين قبل أن يسترسل معنا فيما نستخلصه من تلك الفروق. ثم يكمل ما يراه من نقص لدينا أو لديه فقد يدرك هو ما لم ندركه، وقد ندرك نحن ما لم يدركه وربَّ قارئ أوعى من كاتب ..

الفروق كما نراها

التوراة: القرآن الأمين

المراودة حدثت مرارًا ونُصح يوسف لامرأة سيده كان قبل المرة الأخيرة: المراودة حدثت مرة واحدة اقترنت بعزم المرأة على يوسف لينفذ رغبتها.

تخلو من الإشارة إلى تغليق الأبواب وتقول إن يوسف ترك ثوبه بجانبها وهرب وانتظرت هي قدوم زوجها وقصت عليه القصة بعد أن أعلمت بها أهل بيتها.: يشير إلى تغليق الأبواب وأن يوسف هم بالخروج فَقَدَّتْ ثوبه من الخلف وحين وصلا إلى الباب فوجئا بالعزيز يدخل عليهما فبادرت المرأة بالشكوى في الحال.

لم يكن يوسف موجودًا حين دخل العزيز ولم يدافع يوسف عن نفسه لدى العزيز.: يوسف كان موجودًا حين قدم العزيز، وقد دافع عن نفسه بعد وشاية المرأة، وقال هي راودتنى عن نفسى.

تخلو من حديث الشاهد وتقول إن العزيز حمى غضبه على يوسف بعد سماع المرأة: يذكر تفصيلًا شهادة الشاهد كما يذكر اقتناع العزيز بتلك الشهادة ولومه لامرأته وتذكيرها بخطئها. وتثبيت يوسف على العفة والطهارة.

تقول إن العزيز في الحال أمر بوضع يوسف في السجن ولم يعرض أمره على رجال حاشيته.

يشير إلى أن القرار بسجن يوسف كان بعد مداولة بين العزيز وحاشيته.

تخلو من حديث النسوة اللاتي لُمْنَ امرأة العزيز على مراودتها فتاها عن نفسه، وهي فجوة هائلة في نص التوراة.

يذكر حديث النسوة بالتفصيل كما يذكر موقف امرأة العزيز منهن ودعوتها إياهن ملتمسة أعذارها لديهن ومصرة على أن ينفذ رغبتها

هذه ستة فروق بارزة بين ما يورده القرآن الأمين، وما ذكرته التوراة. والنظر الفاحص في المصدرين يرينا أنهما لم يتفقا إلا في"أصل"الواقعة من حيث هي واقعة وكفى، ويختلفان بعد هذا في كل شئ. على أن القرآن قام هنا بعملين جليلى الشأن:

أولهما: أنه أورد جديدًا لم تعرفه التوراة ومن أبرز هذا الجديد:

(1) حديث النسوة وموقف المرأة منهن.

(2) شهادة الشاهد الذي هو من أهل امرأة العزيز.

ثانيهما: تصحيح أخطاء وقعت فيها التوراة ومن أبرزها:

(1) لم يترك يوسف ثوبه لدى المرأة بل كان لابسًا إياه ولكن قطع من الخلف.

(2) غياب يوسف حين حضر العزيز وإسقاطها دفاعه عن نفسه.

اعتراض وجوابه:

قد يقول قائل: لماذا تفترض أن الخطأ هو ما في التوراة، وأن الصواب هو ما في القرآن؟! أليس ذلك تحيزًا منك للقرآن؛ لأنه كتاب المسلمين وأنت مسلم؟ ولماذا تفترض العكس؟ وإذا لم تفترض أنت العكس فقد يقول به غيرك، وماتراه أنت لا يصادر ما يراه الآخرون. هذا الاعتراض وارد في مجال البحث. وإذن فلابد من إيضاح.

والجواب:

لم نتحيز للقرآن لأنه قرآن. ولنا في هذا الحكم داعيان:

الأول: لم يرد في القرآن - قط - ما هو خلاف الحق؛ لأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وقد ثبتت هذه الحقيقة في كل مجالات البحوث التي أجريت على"مفاهيم"القرآن العظيم في كل العصور. وهذا الداعي وحده كافٍ في تأييد ما ذهبنا إليه.

الثاني: وهو منتزع من الواقعة نفسها موضوع المقارنة وإليك البيان: كل من التوراة والقرآن متفقان على"عفة يوسف"وإعراضه عن الفحشاء. ثم اختلفا بعد ذلك:

فالتوراة تقول: إن يوسف ترك ثوبه كله لدى المرأة وهرب والقرآن يقول: إنه لم يترك الثوب بل أمسكته المرأة من الخلف ولما لم يتوقف يوسف عليه السلام اقتطعت قطعة منه وبقيت ظاهرة في ثوبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت