فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 324

بعد هذا العرض لأئمة النحاة والمفسرين يتضح جليًا أن الاستعمال القرآني في"مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم"استعمال عربي فصيح في غاية الفصاحة، وله شواهد في كلام العرب المحتج بكلامهم، وإن كان القرآن غنيًا عن الاستشهاد من خارجه على عروبته وسلامته من كل خطأ؛ لأنه من أصح مصادر اللغة العربية، ومع هذا فإن ما قاله الأئمة الأعلام يحيل شبهة هؤلاء المتطاولين على كتاب الله العزيز هباءً منثورًا، هذا هو دور النحو في إبطال هذه الشبهة، وللبلاغة دور مهم في الرد عليهم نلخصه في الآتي:

إن المثل في الآية مسوق أساسًا لتمثيل شأن المنافقين، أما قوله تعالى:"كمثل الذي استوقد نارًا"، فأمر عارض اقتضاه مقام الحديث عن تمثيل حال المنافقين فهو أشبه ما يكون بالجملة الاعتراضية، لولا أنها مشبه به، ولما أدت الدور المراد منها تحول الحديث إلى الأصل المسوق من أجله الكلام، وبدأ هذا التحول من قوله تعالى:"ذهب الله بنورهم"فَجَمْعُ الضمير في"بنورهم"منظور فيه إلى نظيره في"مثلهم"فكان ضمير الجمع في"بنورهم"مطابقًا أصالة لمقام الحديث أما"الذي استوقد نارًا"فصار مسكوتًا عنه بعد آداء دوره المراد منه.

وعلى هذا فإن التوجيه البلاغي لجمع الضمير في"بنورهم"يغنى عن التوجيهات التي أبداها النحاة والمفسرون إذ لا معول في التوجيه البلاغي على اعتبار"الذي"بمعنى الذين، أو هو"الذين"حذف منه النون.

ومحال أن يستقيم ما قاله مثيرو هذه الشبهة أن الصواب هو إفراد الضمير في"نورهم"لأنه لو قيل: ذهب الله بنوره وتركه في ظلمات لا يبصر، لتحول الكلام إلى غير المنافقين المضروب لهم المثل، ولزالت كل الروابط بين صدر الآية وعجزها. وهذا لا يقول به عاقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت