والمقام الذي تتحدث عنه الآية هو فتح باب القبول عند الله لكل من آمن إيمانًا صحيحًا صادقًا وداوم على عمل الصالحات. فالإيمان يمحو ما قبله ولا ينظر الله إلى ماضيهم الذي كانوا عليه من كفر ومعاصٍ، والآية بدأت بالذين آمنوا ليستمروا على إيمانهم الذي هم فيه، ويلتزموا بعمل الصالحات والله سيجزيهم خير الجزاء على إيمانهم المستمر، وصلاحهم الدائم.
ثم ثنت بالذين هادوا، يعني: اليهود، وهم كانوا في عصر نزول القرآن قد غالوا في دينهم، وحادوا عن الحق، وغيَّروا وبدَّلوا فيما أنزله الله على أنبيائهم فوعدهم الله إذا آمنوا إيمانًا صحيحًا صادقًا، وتابوا إلى الله من كل ما ابتدعوه في عقائدهم واتبعوا ما أنزل الله على خاتم رسله؛ بأنهم سيكونون في أمنٍ من عذاب الله، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وكذلك النصارى حيث جعلوا لله صاحبة وولدا وغالوا كثيرًا في دينهم، إذا آمنوا إيمانًا صحيحًا صادقًا، وبرئوا من عقائدهم التي ابتدعوها، وأصلحوا شأنهم، وآمنوا بما أنزله الله على خاتم رسله، ولزموا العمل الصالح، كان سعيهم عند الله مشكورًا، ووقاهم الله عز وجل من الخوف والحزن يوم يقوم الناس لرب العالمين.
ثم زاد الله في ترغيب هذه الفرق الثلاث فيما عنده بأن يجعل هذا الفضل للصابئين الذين خرجوا عن جميع الرسالات السماوية، وإذا كان الله يقبل منهم إيمانهم إذا آمنوا، ويثيبهم على عمل الصالحات. فإن الذين آمنوا واليهود والنصارى أولى بالقبول عند الله، إذا آمنوا وعملوا الصالحات.
ومن أجل هذا خولف إعراب و"الصابئون"ليلفت الأذهان عند قراءة هذه الآية أو سماعها إلى الوقوف أمام هذه المخالفة، وليتساءل القارئ أو السامع ما سبب هذه المخالفة، ثم يقوده هذا التساؤل إلى الحصول على هذا المعنى الذي تقدم.
فهذه المخالفة أشبه ما تكون بالنبر الصوتي في بعض الكلمات، التي يراد لفت الأنظار إليها عند السامعين؛ قالوا: والواو في"والصابئون"ليست لعطف المفردات على نظائرها، وإنما هي لعطف"الجمل"و"الواو"التي تعطف جملة على أخرى لا تعمل في مفردات الجملة المعطوفة، لا رفعًا ولا نصبًا ولا جرًا. بل تربط بين الجملتين المعطوفة والمعطوف عليها في المعنى دون الحركات الإعرابية.
ولهذه الآية نظائر في مخالفة إعرابها لما قبلها اتخذ منها خصوم القرآن منشأ لشبهات مماثلة وسيأتي الحديث عنها كلا في موضعه إذا شاء الله تعالى.
والخلاصة:
إن هذه الآية: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر (تخلو من أي خطأ نحوي أو غير نحوي. بل هي في غاية الصحة والإعجاز، وقد بينا وجوه صحتها، والمعاني البيانية التي ألمح إليها رفع"الصابئون"وهؤلاء الذين يلحدون في آيات الله لا دراية لهم بالنحو ولا بالصرف ولا بالبلاغة، وليسوا هم طلاب حق، ولا باحثين عنه، والذي سيطر على كل تفكيرهم هو البحث"عن العورات"في كتاب لا عورات فيه بل هو أنقى وأبلغ وأفصح وأصح، وأصدق بيان في الكون كله، ولا يأتوننا بمثل إلا جئناهم بالحق وما هم بسابقين.