فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 324

الثاني: أن"إن"في قوله تعالى:"إن الذين آمنوا"ليست هي"إنَّ"الناسخة، التي تنصب المبتدأ وترفع الخبر، بل هي بمعنى: نعم، يعني حرف جواب، فلا تعمل في الجملة الاسمية لا نصبًا، ولا رفعًا، وعلى هذا فالذي بعدها مرفوع المحل، لأن"الذين"اسم موصول، وهو مبنى في محل رفع، وكذلك"الصابئون"فإنه مرفوع لفظًا، وعلامة رفعه"الواو"لأنه جمع مذكر سالم، مفرده"صابئ".

وقد استعملها العرب كذلك. قال قيس بن الرقيات:

برز الغوانى من الشباب

يلمننى، وآلو مهنَّهْ

ويقلن شيبٌ قد علاك

وقد كبرتَ، فقلت إنَّهْ (3)

أى فقلت: نعم.

وعلى هذا فإن كلا من"الذين"و"الصابئون"والنصارى، أسماء مرفوعة إما محلًا، وهما: الذين " فهى مبنية في محل رفع، والنصارى مرفوعة بضمة مقدرة لأنها اسم مقصور لا تظهر على آخره حركات، وإما لفظًا مثل:"الصابئون"فهى مرفوعة لفظًا بواو الجماعة."

وعليه كما كان في المذهب الأول فلا خطأ في الآية كما زعم خصوم القرآن.

أما المفسرون فقد اختار الزمخشري منهم المذهب الأول المعزو إلى جمهور علماء البصرة، ومن شيوخهم الخليل وسيبويه، فقال:

"والصابئون"رفع على الابتداء، وخبره محذوف والنية به (4) التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها كأنه قيل:

"إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك".

وقال الإمام الشوكاني:

"والصابئون"مرتفع على الابتداء، وخبره محذوف والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك"."

وقد ألمح الإمام الشوكاني إلى إضافة جديدة خالف بها كلا من الخليل وسيبويه والزمخشري؛ لأن هؤلاء جعلوا"الصابئون"مقدما من تأخير كما تقدم، أما هو فجعله قاراًّ في موضعه غير مقدم من تأخير بدليل قوله:

"والصابئون والنصارى كذلك"وهذه إضافة حسنة ومقبولة. وعليه يمكن جَعْل"النصارى"مرفوعة عطفًا على"الصابئون"ولا حاجة إلى جعلها منصوبة عطفًا على"إن الذين آمنوا"، والواقع أن هذا المذهب على جملته الذي ذهب إليه جمهور علماء البصرة، وتابعهم فيه الإمام الشوكاني هو أقوى ما أورده النحاة في توجيه رفع"الصابئون"في هذه الآية الكريمة. أما بقية الآراء، فهى دون ذلك بكثير.

هذا هو توجيه رفع"الصابئون"عند جمهور النحاة والمفسرين، أما توجيهه بلاغة فهو ما يأتي:

إن مخالفة إعراب"الصابئون"عما قبلها سواء كانت مقدمة من تأخير على رأى الجمهور أو غير مقدمة على رأى الإمام الشوكاني وآخرين (8)

وعما بعدها إن قدرنا"والنصارى"معطوفًا على"إن الذين آمنوا والذين هادوا، بأن هذه المخالفة لمحة بلاغية رائعة؛ تشير إلى وجود فرق كبير بين هذه الطوائف الأربع:"

-الذين آمنوا.

-الذين هادوا.

-النصارى.

-الصابئون.

فالطوائف الثلاث الأولى يربط بينها رابط قوى هو أن كل طائفة منها لها كتاب ورسول من عند الله عز وجل.

فالذين آمنوا لهم كتاب هو القرآن، ورسول هو محمد صلى الله عليه وسلم.

والذين هادوا لهم كتاب هو التوراة، ولهم رسول هو موسى عليه السلام.

والنصارى لهم كتاب هو الإنجيل، ولهم رسول هو عيسى عليه السلام.

أما الصابئون، فليس لهم كتاب ولا رسول، وهم على ضلال مطبق لا ذرة من هداية فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت