(فصل)
عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال:
رأيت عمر بن الخطاب أخذ تبنة من الأرض فقال: (ليتني كنت هذه التبنة, ليتني لم أخلق, ليت أمي لم تلدني, ليتني لم أكن شيئًا, ليتني كنت نسيًا منسيًا) .
قال العباس بن عبد المطلب:
(كنت جارًا لعمر بن الخطاب, فما رأيت أحدًا من الناس كان أفضل من عمر, إن ليله صلاة, وإن نهاره صيام, وفي حاجات الناس, فلما توفي عمر سألت الله عز وجل أن يرينيه في النوم، فرأيته مقبلًا متشحًا من سوق المدينة فسلمت عليه، وسلم علي، ثم قلت له: كيف أنت؟ قال: بخير. فقلت له: ما وجدت؟ قال: الآن حين فرغت من الحساب، ولقد كاد عرشي يهوي بي لولا أن وجدت ربًا رحيمًا) .
وروى زيد بن أسلم عن ابن عمر أنه رأى أباه في المنام فقال له: (منذ كم فارقتم فقال: منذ اثني عشرة سنة. فقال: إنما انفلت الآن من الحساب) .
* قال عياش بن المغيرة: كان عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام إذا شهد جنازةً، وقف على القبر فقال:
(ألا أراك ضيقًا، ألا أراك دقعًا، ألا أراك مظلمًا، لأن سلمت لأتأهبن لك أهبتك، فأول شيء تراه عيناه من ماله يتقرب به إلى ربه، وإن كان رقيقه ليتعرضون له عند انصرافه من الجنائز ليعتقهم) .
* قال يحيى بن الفضل: سمعت بعض من يذكر عن محمد بن المنكدر: (أنه بينا هو ذات ليلة يصلي بكى، وكثر بكاؤه ففزع أهله فتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى أبي حازم فجاء، فإذا هو يبكي، فقال: يا أخي ما الذي أبكاك قد رعت أهلك؟ فقال: مرت بي آية من كتاب الله عز وجل. قال: وما هي؟ قال: قول الله عز وجل: {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} فبكى أبو حازم معه واشتد بكاؤهما.
ولما احتضر ابن المنكدر اشتد جزعه وقال: (أخاف أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب، وكذلك كان يقول أخوه عمر بن المنكدر، آية من كتاب الله أبكتني: {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} .
* عن مصعب بن عثمان، قال:
(كان عبد الرحمن بن أبان يشتري أهل البيت، ثم يأمر بهم فيكسون، ثم يعرضون عليه فيقول: أنتم أحرار لوجه الله أستعين بكم على غمرات الموت) .
* قال المحاربي قال: (قال لي سفيان: عمرو بن قيس هو الذي أدبني, علمني قراءة القرآن, وعلمني الفرائض, فكنت أطلبه في سوقه, فإن لم أجده في سوقه, وجدته في بيته, قائمًا يصلي, أو يقرأ في المصحف, كأنه يبادر أمورًا تفوته, فإن لم أجده في بيته وجدته في بعض مساجد الكوفة, في زاوية من زوايا المسجد, كأنه سارقٌ قاعد يبكي, فإن لم أجده وجدته في المقبرة قاعدًا ينوح على نفسه, فلما مات عمرو بن قيس أغلق أهل الكوفة أبوابهم, وخرجوا بجنازته فلما أخرجوه إلى الجبان, وكان أوصى أن يصلي عليه أبو حيان التيمي فكبر فسمعوا صائحًا يصيح: قد جاء المحسن عمرو بن قيس. وإذا البرية مملوءة من طير أبيض لم ير على خلقتها وحسنها فجعل الناس يعجبون من حسنها وكثرتها, فقال أبو حيان: أي شيء تعجبون هذه, ملائكة جاءت فشهدت عَمرًا) .
* قال عبد الرحمن بن مهدي: (مات سفيان عندي, فلما اشتد به جعل يبكي, فقال له رجل: يا أبا عبد الله, أراك كثير الذنوب؟! فرفع شيئًا من الأرض, وقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا, إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت) .
* قال إبراهيم بن عيسى اليشكري: (ما رأيت أحدًا أطول حزنًا من الحسن، وما رأيته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة) .
وقال يزيد بن حوشب: (ما رأيت أخوف من الحسن، وعمر بن عبد العزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما) .
* قال عمارة بن زاذان: قال لي كَهْمَس بن الحسن: (أذنبت ذنبًا فأنا أبكي عليه أربعين سنة. قلت: ما هو؟ قال: زارني أخ لي فاشتريت له سمكًا، فلما أكل قمت إلى حائط جار لي فأخذت منه قطعة طين فغسل بها يده، فأنا أبكي عليه منذ أربعين سنة) .
* حدثنا محمد بن عبد الله عن عبد الواحد بن زيد أن (خبيبًا أبا محمد جزع جزعًا شديدًا عند الموت فجعل يقول بالفارسية: أريد أن أسافر سفرًا ما سافرته قط. أريد أن أسلك طريقًا ما سلكته قط، أريد أن أزور سيدي ومولاي، وما رأيته قط، أريد أن أشرف على أهوال ما شاهدت مثلها قط، أريد أن أبقى تحت التراب إلى يوم القيامة، ثم أوقف بين يدي الله فأخاف أن يقول لي: يا خبيب هات تسبيحة واحدة سبحتني في ستين سنة لم يظفر منك الشيطان فيها بشيء، فماذا أقول؟ قال عبد الواحد: هذا عبدٌ عبد الله ستين سنة مشتغلًا به، ولم يشتغل من الدنيا بشيء قط فأي شيء حالنا؟ واغوثاه بالله!!) .
* قال عبد الرحمن بن يزيد: قلت ليزيد بن مرثد:(ما لي أرى عينيك لا تجف؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله عز وجل أن ينفعني به. قال: يا أخي إن الله عز وجل قد توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار, والله لو لم يتوعدني أن يسجنني إلا في الحمام, لكنت حريًا أن لا تجف لي عين.
قال: فقلت له: فهكذا أنت في خلواتك؟ قال: وما مسألتك عنه؟
قلت: عسى الله عز وجل أن ينفعني به. فقال: والله إن ذلك ليعرض لي حين أسكن إلى أهلي, فيحول بيني وبين ما أريد, وإنه ليوضع الطعام بين يدي فتعرض لي فتحول بيني وبينه أكله, حتى تبكي امرأتي, وتبكي صبياننا ما يدرون ما أبكاني, ولربما أضجر ذلك امرأتي فتقول: يا ويحها ما خصت به من طول الحزن معك في الدنيا ما تقر لي معك عين).
* عن عمرو بن دينار قال: (كان لرجل من أهل المدينة أخت فماتت فدفنها, ورجع فذكر أنه نسي كيسًا كان معه في القبر, فاستعان برجل من أصحابه, ونبشا القبر فوجد الكيس, فقال للرجل: تنحى حتى أنظر على أي حال أختي فرفع بعض ما على اللحد, فإذا القبر يشتعل نارًا فرده وسوى القبر, ورجع إلى أمه فقال: أخبريني ما كان حال أختي؟ قالت: كانت أختك تؤخر الصلاة, ولا تصلي فيما أظن بوضوء, وتأتي أبواب الجيران إذا ناموا فتلقم أذنها أبوابها فتخرج حديثهم) .
* عن مطرف بن عبد الله الشخيري قال:(شهدت جنازة فاعتزلت ناحية قريبًا من قبر فركعت ركعتين خففتهما ولم أرض إتقانهما ونمت فرأيت صاحب القبر، فقال: ركعت ركعتين لم ترض إتقانهما؟ قلت: قد كان ذلك, فقال: تعملون, ولا تعلمون, ولا نستطيع أن نعمل, لأن أكون ركعت ركعتين مثل ركعتيك أحب إلي من الدنيا بحذافيرها.
فقلت: من ها هنا أفضل؟ فقال: كلهم قد أصاب خير.
قلت: فمن أفضل؟ فأشار إلى قبر, فقلت في نفسي: اللهم أخرجه إلي فأكلمه فخرج من قبره فتى شاب فقلت: أنت أفضل من ها هنا؟ قال: قد قالوا ذلك. قلت: فبأي شيء فوالله ما أرى لك شيئًا فأقول نلت ذلك بطول الحج, والعمرة, والجهاد والعمل!! قال: ابتليت بالمصائب فرزقت الصبر عليها, فبذلك فضلتهم )) .
* قال محمد بن الحسين: (قال رجلٌ لرجل نحيف عليل: ما بلغ بك ما أرى؟ قال: الفرق من الموت. قال: فاحذر أن تدخل دارًا تمنى فيها الموت فلا تجده) .
* قيل: (لو أن ألم شعرة من ألم الموت وضع على أهل السماوات والأرض, ماتوا جميعًا, وإن في القيامة لسبعين هولًا كل هول يضاعف على هول الموت سبعين ألف ضعف) .
* عن أبي بكر التيمي قال: بينا سليمان بن عبد الملك في المسجد الحرام، إذ أتى بحجر منقوش فطلب من يقرأه, فأتى بوهب بن منبه فقرأه فإذا فيه: (ابن آدم إنك لو رأيت قرب ما بقي من أجلك, لزهدت في طول أملك, ولرغبت في الزيادة من عملك, ولقصرت من حرصك وحيلك, وإنما يلقاك ندمك لو قد زلت بك قدمك, وأسلمك أهلك وحشمك فبان منك الولد القريب, ولرفضك الوالد والنسيب, فلا أنت إلى دنياك عائد, ولا في حسناتك زائد, فاعمل ليوم القيامة قبل الحسرة والندامة) .
وكان الحسن يقول: (ذهبت الدنيا بحال بالها وبقيت الأعمال قلائد في الأعناق قد أسرع بخياركم فماذا تنتظرون المعاينة؟ فكأن قد) .
* قال بعض الخلفاء على المنبر: اتقوا الله عباد الله ما استطعتم, وكونوا قومًا صيح بهم فانتبهوا, وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا, واستعدوا للموت فقد أظلكم, وترحلوا فقد حديتم, فإن غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة لجديرة بقصر المدة، وإن غائبًا يحدوه الجديد إن الليل والنهار لحري بسرعة الأوبة، وإن قادمًا يحل بالفوز أو الشقوة لمستحق لأفضل العدة، فاتقى عبد ربه، وناصح نفسه, وقدم توبته, وغلب شهوته, فإن أجله مستور عنه, وأمله خادع له, والشيطان موكل به, يمنيه التوبة يسوفها, ويزين له المعصية ليركبها حتى تهجم منيته عليه, أغفل ما يكون عنها, وأنه ما بين أحدكم وبين الجنة والنار إلا الموت أن ينزل به فيا لها حسرة على كل ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة, وأن تؤديه أيامه إلى شقوة جعلنا الله وإياكم ممن لا ينظر نعمه, ولا تقصر به عن طاعة معصية, ولا يحل به بعد الموت حسرة إنه سميع الدعاء).