وذهبت عائشة وجماعة من العلماء إلى أن المعروف هو أن يأخذ من جميع المال إذا كان يلي ذلك بقدر قيامه وعمله وأجرته، وإن أتى على جميع المال، ولا قضاء عليه، وهذا طعمة من الله له. ودليل صحة هذا ما روي عن ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إن في حجري يتيمًا أفاضربه؟ قال:"مما كنت ضاربًا منه ولدك"، قال: يا رسول الله أفآكل من ماله؟ قال:"غير متأثل مالًا، ولا واقٍ مالك بماله"
وعلى هذا الحكم اليوم، فالقيم ممنوع من الإسراف، وإنما له أجر مثل عمله؛ لأنه أجير بالشرع. والغني يستعف كما أمره الله، وإن أخذ الأجرة حلت له في الحكم في مقابلة عمله.
وقوله تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} . هذا وصية من الله تعالى للأولياء بالإشهاد على دفع المال إذا دفعوه إلى الأيتام، لكن إن وقع اختلاف أمكن للولي أن يقيم البينة على أنه رد المال إليه. وفي هذا دليل على أن القول قول اليتيم عند التنازع، وذلك أن القيّم خير مؤتمن من جهة اليتيم، وإنما هو مؤتمن من جهة الشرع، ولذلك أمر بالإشهاد، وليس بفريضة.
قوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} قال ابن الأنباري والأزهري: يكون بمعنى محاسبًا، ويكون بمعنى كافيًا.
فمن الأول قولهم للرجل عند التهدد: حسيبه الله. ومعناه: محاسبه الله
على ما يفعل من الظلم.
وأنشد ابن الأنباري قول قيس المجنون:
دعا المحرمون اللهَ يستغفرونه ... بمكةَ يومًا أن تُمَحَّا ذُنوبُها
وناديتُ يا ربّاه أولُ سؤلتي ... لنفسي لَيلَى ثم أنت حسيبُها
قال فمعناه: ثم أنت محاسبها على ظلمها.
قالوا: فالحسيب هو المحاسب بمنزلة قول العرب: الشريب. للمشارب.
وأنشد أيضًا قول المخبل السعدي:
فلا تُدخِلنَّ الدهر قبرك حَوبَةً ... يقوُم بها يومًا عليك حسيبُ
معناه محاسبك عليه الله تعالى.