ولا تدل هذه الآية على إباحة التسع؛ لأن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات وأبلغها، وليس من شأن الخطيب البليغ أَنْ يُفرِّق العدد في مثل هذه الحال، يقول: أعط زيدًا درهمين وثلاثة وأربعة؛ لأنه يصير أعيا كلام.
وقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا} ، أي: في الأربع، بالحب والجماع.
{فَوَاحِدَةً} أي: فلينكح كل واحد منكم واحدة.
ومن قرأ بالرفع أراد: فواحدةٌ مقنَع، أو فواحدةٌ رضا.
وقوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} . يريد من الجواري؛ لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق كالذي يلزم في الحرائر، ولا قسمة فيهن باليوم والليلة.
ومعنى الأيمان ههنا بيان، تقديره: أو ما ملكتم.
وقوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3] الإشارة في {ذَلِك} تعود إلى قوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ} أي: نكاحكم هؤلاء النسوة على قلة عددهن أقرب إلى العدل وأبعد من الظلم والجور.
ومعنى {تَعُولُوا} : تميلوا (وتجورا) ، عن جميع أهل التفسير واللغة، وروي ذلك مرفوعًا.
روت عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} قال:"لا تجوروا". ورُوي:"أن لا تميلوا". كلا اللفظين مرويّ.
قال ابن المظفر: العَول المَيل في الحكم إلى الجور.
وقال أبو عبيدة، عن الأصمعي: وعال الميزان إذا مال، وإنما هو مأخوذ من الجور، وأنشد لأبي طالب:
بِميزانِ قسط لا يُعِلّ شَعيرةً ... ووزَّانُ صدقٍ وزنُه غيرُ عائلِ
وقال الفراء: عال الرجل يعول عَولًا وعِيالةً، إذا مال وجار.
وعلى هذا القول ابن عباس، والحسن، وإبراهيم، وقتادة، والربيع، والسدي، وأبو مالك،
وعكرمة، والفراء، والزجاج، وابن قتيبة، وابن الأنباري.
وأخبرني العروضي قراءةً، وسعيد بن العباس القرشي كتابةً، عن الأزهري، قال: أخبرني عبد الملك، عن الربيع، عن الشافعي - رضي الله عنه - أنه قال: معناه ألّا يكثر عيالكم.