وقال مجاهد: معنى الآية: إن تحرجتم من ولاية اليتامى وأموالهم إيمانًا وتصديقًا فكذلك تحرجوا مِن الزنا، فانكحوا النساء الحلال نكاحًا طيبًا ثم بين لهم عددًا محصورًا، وكانوا يتزوجون ما شاءوا من غير عدد، وهذا القول اختيار الزجاج.
وهذه أوجهٌ صحيحةٌ من التأويل لهذه الآية.
وقوله تعالى: {مَا طَابَ} ولم يقل: (من) الأصل أن (من) لما يعقل، و (ما) لما لا يعقل.
ولأهل العربية في هذا قولان: أحدهما: أن (ما) ههنا عبارة عن المصدر، فقال الفراء: معناه فانكحوا الطيب لكم من النساء.
وقال مجاهد: فانكحوا النكاح الذي طاب لكم من النساء.
قال الفراء: وهذا كما تقول في الكلام: خُذ من عبيدي ما شئت، أي: مشيئتك فإن قلت: مَن شئت، فمعناه: خذ الذي شئت.
فعلى هذا (ما طاب) بمنزلة الطيب.
والقول الثاني: أن (ما) و (من) ربما يتعاقبان، قال الله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5] ، وقال: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} [النور: 45] .
وحكى أبو عَمْرو بن العلاء، عن العرب: سبحان ما سبح له الرعد.
ومعنى قوله (طاب) أي: حلّ، وإنما أباح النكاح من اللاتي تحل دون المحرمات اللواتي ذُكِرن في قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] إلى آخر الآية.
وقوله تعالى: {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} . بدل مما طاب، ومعناه: اثنتَين، وثلاثًا (ثلاثًا) وأربعًا (أربعًا) .
قال أبو إسحاق: إلا أنه لم ينصرف لجهتين لا أعلم أحدًا من النحويين ذكرهما؛ وهي أنه اجتمع فيه علتان: أنه معدول عن اثنتين اثنتين وثلاث ثلاث، وأنه عُدِل عن تأنيث.
قال أصحابنا: إنه اجتمع علتان: أنه عَدْل، وأنه نكرة، والنكرة أصل الأشياء، وهذا كان ينبغي أن يخفّفه؛ لأنّ النكرة
تخفف ولا تعد (فرعًا) هذا كلام أبي إسحاق.