قلت: وقد اختار هذا القول الكيا الطبرِي في أحكام القرآن له ؛ فقال:"توهم متوهمون من السلف بحكم الآية أن للوصيّ أن يأكل من مال الصبي قدراً لا ينتهي إلى حد السرف ، وذلك خلاف ما أمر الله تعالى به في قوله: {لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ} ولا يتحقق ذلك في مال اليتيم."
فقوله: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} يرجع إلى أكل مال نفسه دون مال اليتيم.
فمعناه ولا تأكلوا أموال اليتيم مع أموالكم ، بل اقتصروا على أكل أموالكم.
وقد دل عليه قوله تعالى: {وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} [النساء: 2] .
وبان بقوله تعالى: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف} الاقتصارُ على البُلْغة ، حتى لا يحتاج إلى أكل مال اليتيم ؛ فهذا تمام معنى الآية.
فقد وجدنا آيات محكمات تمنع أكل مال الغير دون رضاه ، سيما في حق اليتيم.
وقد وجدنا هذه الآية محتملة للمعاني ، فحملها على موجب الآيات المحكمات مُتعَيِّن.
فإن قال من ينصر مذهب السلف: إن القضاة يأخذون أرزاقهم لأجل عملهم للمسلمين ، فهلا كان الوصي كذلك إذا عمل لليتيم ، وَلِمَ لا يأخذ الأجرة بقدر عمله ؟ قيل له: اعلم أن أحداً من السلف لم يجوّز للوصي أن يأخذ من مال الصبي مع غنى الوصي ، بخلاف القاضي ؛ فذلك فارق بين المسألتين.
وأيضاً فالذي يأخذه الفقهاء والقضاة والخلفاء القائمون بأمور الإسلام لا يتعين له مالك.
وقد جعل الله ذلك المال الضائع لأصناف بأوصاف ، والقضاة من جملتهم ، والوصي إنما يأخذ بعمله مال شخص معين من غير رضاه ؛ وعمله مجهول وأجرته مجهولة وذلك بعيد عن الاستحقاق.