فقوله: {إن وهبت} شرط في إحلال امرأة مؤمنة له، وقوله: {إنْ أرَادَ النَّبِيُّ} شرط في انعقاد النكاح، لئلاّ يتوهّم أنّ هبة المرأة نفسها للنبي تعيِّن عليه تزوّجها، فتقدير جوابه: إن أراد فله ذلك، وليسا شرطين للإحلال لظهور أنّ إحلال المرأة لا سبب له في هذه الحالة إلاّ أنّها وهبت نفسها.
وفي كلتا حالتي الشرط الوارد على شرط يجعل جواب أحدهما محذوفاً دلّ عليه المذكور، أو جواب أحدهما جواباً للآخر: على الخلاف بين الجمهور والأخفش، إذ ليس ذلك من تعدّد الشروط وإنَّما يتأتَّى ذلك في نحو قولك:"إن دخلت دار أبي سفيان، وإن دخلت المسجد الحرام، فأنت آمن"وفي نحو قولك:"إن صليت إن صمت أُثْبِت"من كلّ تركيب لا تظهر فيه ملازمة بين الشرطين، حتَّى يصير أحدهما شرطاً في الآخر.
هذا تحقيق هذه المسألة الذي أطال فيه كثير وخصّها تقيّ الدين السبكي برسالة وهي مسألة سأل عنها القاضي ابنُ خلكان الشيخ ابن الحاجب كما أشار إليه في ترجمته من كتاب"الوفيات"، ولم يفصّلها، وفصّلها، الدماميني في"حاشية مغني اللبيب".
وإيناس الرشد هنا علمه، وأصل الإيناس رؤية الإنسي أي الإنسان، ثمّ أطلق على أوّل ما يتبادر من العلم، سواء في المبصرات، نحو: {آنس من جانب الطُّور ناراً} [القصص: 29] أم في المسموعات، نحو قول الحارث بن حلزة في بقرة وحشية:
ءانَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَهَا القُن ... اصُ عَصْراً وقد دَنا الإمْساء
وكأنّ اختيار {آنستم} هنا دون علمتم للإشارة إلى أنّه إن حصل أوّل العلم برشدهم يدفع إليهم مالهم دون تراخ ولا مطل. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 30 - 32}