زوجت امرأة بنتها فقالت: يا بنية لو تركت الوصيّة لأحد لحسن أدب أو لكرم حسب لتركتها لك، ولكنها تذكرة للغافل ومعونة للعاقل. يا بنيّة إنك قد خلّفت العش الذي منه درجت والموضع الذي منه خرجت إلى وكر لم تعرفيه وقرين لم تألفيه، كوني له أمة يكن لك عبدا، واحفظي عني خصالا عشرا تكن لك دركا وذكرا. أما الأولى والثانية فحسن الصحابة بالقناعة وجميل المعاشرة بالسمع والطاعة ففي حسن المصاحبة راحة القلب وفي جميل المعاشرة رضا الرب والثالثة والرابعة التفقد لموضع عينه والتعاهد لموضع أنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشمّ أنفه منك خبيث ريح. واعلمي أن الكحل أحسن الحسن المودود، وأن الماء أطيب الطيب الموجود، والخامسة والسادسة فالحفظ لماله والرعاية لحشمه وعياله، واعلمي أن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير، والإرعاء على الحشم حسن التدبير. والسابعة والثامنة التعاهد لوقت طعامه، والهدوء عند منامه، فحرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة. والتاسعة والعاشرة لا تفشين له سرا، ولا تعصين له أمرا. فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره. انتهى انتهى {محاضرات الأدباء، للراغب الأصفهاني} ...