وَسَائِرُ أَجْزَائِهِ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ مَا يُرَادُ مِنْهُ وَيُنْتَفَعُ بِهِ ، فَكَانَ فِي تَحْرِيمِهِ أَعْظَمُ مَنَافِعِهِ دَلَالَةً عَلَى مَا دُونَهُ ، فَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} قَدْ اقْتَضَى جَوَازَ هِبَتِهَا لِلْمَهْرِ مِنْ أَيِّ جِنْسٍ كَانَ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا قَبَضَتْهُ أَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ.
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ إذَا جَازَتْ هِبَتُهَا لِلْمَهْرِ إذَا كَانَ مَقْبُوضًا مُعَيَّنًا فَكَذَلِكَ حُكْمُهُ إذَا كَانَ دَيْنًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ جَوَازُ تَصَرُّفِهَا فِي مَالِهَا ، فَلَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ فِيهِ ؛ وَلِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا.
وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى جَوَازِ هِبَةِ الدَّيْنِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ كَمَا جَازَتْ هِبَةُ الْمَرْأَةِ لِلْمَهْرِ وَهُوَ دَيْنٌ ، وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَنْ وَهَبَ لِإِنْسَانٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ أَنَّ الْبَرَاءَةَ قَدْ وَقَعَتْ بِنَفْسِ الْهِبَةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ وَأَسْقَطَهُ عَنْ ذِمَّتِهِ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ وَهَبَ لِإِنْسَانٍ مَالًا فَقَبَضَهُ وَتَصَرَّفَ فِيهِ أَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِلِسَانِهِ قَدْ قَبِلْت ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَبَاحَ لَهُ أَكْلَ مَا وَهَبَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَبُولِ ، بَلْ يَكُونُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِحَضْرَتِهِ حِينَ وَهَبَهُ قَبُولًا.