والثالث: أنه منصوب على الحال بفعل لا يجوز إظهاره ألبتة ؛ لأنَّهُ قصد بهذه الحالِ النيابةُ عن فعلها نحو:"أقائماً وَقَدْ قَعَدَ النَّاسُ"، كما ينوب المصدر عن فعله نحو"سَقْياً لَهُ وَرَعْياً".
الرابع: أنهما صفتان قامتا مقام المصدر المقصود به الدعاءُ النائب عن فعله.
قال الزَّمَخشرِيُّ:"وقد يوقف على"فَكُلُوهُ"ويبتدأ بـ"هنيئاً مريئاً"على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين ؛ كأنه قيل:"هَنْئاً مًرْءاً"."
قال أبو حيان: وهذا تحريف لكلام النُّحاة ، وتحريفه هو جَعْلهما أُقِيما مُقام المصدر ، فانتصابهما انتصباَ المصدرِ ، ولذلك قال: كَأَنَّهُ قيل:"هَنْئاً مَرْءاً"، فصار كقولك"سٌقْياص لك"و"رَعْياً لك"، وَيَدُلُّ على تحريفه وَصِحَّةِ قول النحاة انَّ المصادرَ المقصودَ بها الدعاء لا ترفع الظاهر ، لا تقول:"سقياً اللهَ لك"، ولا:"رعياً الله لك"، وإنْ كانَ ذلك جائزاً في أفعالها ، و"هنيئاً مرئياً"، يرفعان الظاهر بدليل قوله: [الطويل]
هَنِيئاً مَرِيئاً غَيْرَ دَاءٍ مُخامِرٍ... لِعِزَّةَ مِنْ أعْرَاضِنَا مَا اسْتَحَلَّتِ
ف"ما"مرفوع بـ"هنيئاً"أو"مريئاً"على الإعمال ، وجاز ذلك وَإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْعَاملين رَبْطٌ بِعَطْفٍ ولا غيره ؛ لأن"مريئاً"لا يستعملُ إلاَّ تابعاً لـ"هنيئاً"فكأنَّهما عاملٌ واحد.
ولو قلت:"قام قعد زيد"لم يكن من الإعمال إلاَّ على نِيَّة حرف العطف. انتهى.