وهذا منصوب عن تمام الكلام ، وجِيء بالتمييز هنا مفرداً ، وإن كان قبلَه جمعٌ لعدم اللَّبْسِ ، إذْ من المعلوم أنَّ الكُلَّ لَسْنَ مشتركاتٍ في نفسٍ واحدةٍ ، ومثله: قَرَّ الزيدون عيناً ، كقوله: {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْع} [هود: 77] وقيل: لَفْظثهَا واحد ومعناها جمع ، ويجوز"انفساً""وأعيناً"وَلاَ بُدَّ مِنَ التعرُّض لقاعدةٍ يَعُمُّ نفعها ، وهي أنَّه إذا وقع تمييز بعد جمع منتصبٍ عن تمام الكلام فلا يخلو: إمَّا أن يكون موافقاً لما قبله نحو: كَرُمَ الزيدون رجالاً ، كما يطابقهُ خبراً وصفةً وحالاً.
وإن كان الثاني: فإمَّا أن يكونَ مفرد المدلول أو مختلفة ، فإن كان مفردَ المدلول وَجَبَ إفرادُ التمييز كقولك في أبناء رجل واحد: كَرُمَ بنو زيدٍ أباً أو أصلاً ، أي: إنَّ لهم جميعهم أباً واحداً متصفاً بالكرمِ ، ومثله"كَرم التقياء سَعْياً"، إذا لم تَقصدْ بالمصدر اختلافَ الأنواع لاختلاف محالَّه ، وإنْ كَانَ مختلفَ المدلول: فإما أن يُلبِسَ إفرادُ التمييز لو أُفرد أولاً ، فإن ألْبَسَ وَجَبَت المطابقُ نحو: كَرُمَ الزيدون آباء ، أي: أن لكل واحد أباً غير أب الآخر يتصفُ بالكرمِ ، ولو أفردت هنا لَتُوُهِّم أنهم كلَّهم بنو أبٍ واحد ، والغرضُ خلافه ، وإنْ لم يُلبس جاز الأمران المطابقة والإفراد ، وهو الأوْلى ، ولذلك جاءت عليه الآية الكريمةُ ، وحكمُ التثنية في ذلك كالجمع ، وَحَسَّنَ الإفرادَ ها هنا أيضاً ما تقدَّم مِن مُحَسِّنِ تذكير الضمير وإفراده في"منه"، وهو أنَّ المعنى: فإن طابت كُلُّ واحدة نفساً.
وقال بعض البصريين:"إنَّما أفرد ؛ لأن المراد بالنفس هنا الهوى ، والهوى مصدر ، والمصادر لا تُثَنَّى ولا تجمع".