إن أردت الخطوطَ ينبغي أن تقول: كأنها وإن أردت السوادَ والبلَقَ ينبغي أن تقول: كأنهما، قال: لكني أردتُ كأن ذلك. أو للصَّداق الواقعِ موقعَه صدُقاتِهن كأنه قيل: وآتوا النساءَ صَداقَهن كما في قوله تعالى: {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن} حيث عَطفَ أكنْ على ما دل عليه المذكورُ ووقع موقعَه، كأنه قيل: إن أخرتني أصَّدقْ وأكنْ، واللامُ متعلقةٌ بالفعل وكذا عن لكن بتضمينه معنى التجافي والتجاوزِ، ومن متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لشيء أي كائنٍ من الصَّداق، وفيه بعثٌ لهن على تقليل الموهوبِ {نَفْساً} تمييزٌ والتوحيدُ لما أن المقصودَ بيانُ الجنسِ أي إن وهَبْن لكم شيئاً من الصَّداق متجافياً عنه نفوسُهن طيباتٍ غيرَ مُخْبثاتٍ بما يَضطرُّهن إلى البذل من شكاسة أخلاقِكم وسوءِ معاشرتِكم لهن، عَدَل عن لفظ الهبةِ والسماحةِ إلى ما عليه النظمُ الكريمُ إيذاناً بأن العُمدة في الأمر إنما هو طيبُ النفسِ وتجافيها عن الموهوب بالمرة {فَكُلُوهُ} أي فخذوا ذلك الشيء َ الذي طابت به نفوسُهن وتصرفوا فيه تملُّكاً، وتخصيصُ الأكلِ بالذكر لأنه معظمُ وجوهِ التصرفاتِ المالية {هَنِيئاً مَّرِيئاً} صفتان من هنُؤَ الطعامُ ومرُؤَ إذا كان سائغاً لا تنغيصَ فيه، وقيل: الهنيءُ الذي يلَذُّه الآكِلُ والمريءُ ما يُحمد عاقبتُه، وقيل: ما ينساغ في مجراه الذي هو المريءُ وهو ما بين الحُلْقوم إلى فم المعِدةِ سُمِّي بذلك لمروءِ الطعامِ فيه أي انسياغِه، ونصبُهما على أنهما صفتانِ للمصدر أي أكلاً هنيئاً مريئاً أو على أنهما حالانِ من الضمير المنصوبِ أن كُلوه وهو هنيءٌ مريءٌ وقد يوقف على كلوه، ويبتدأ هنيئاً مريئاً على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مُقامَ المصدرين، كأنه قيل: هنْأً ومَرْأً، وهذه عبارةٌ عن التحليل والمبالغةِ في الإباحة وإزالةِ التبعة. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 2 صـ 143 - 144}