قلت: وقد استشهد البخاري بالآية لتكون دليلًا على أنه لا رضاع بعد حولين حيث وضع بابًا في كتاب النكاح أسماه. باب (من قال لا رضاع بعد حولين لقوله تعالى {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} ثم ذكر حديث عائشة رضي اللَّه عنها"إنما الرضاعة من المجاعة".
في آية {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} ما يدل أيضًا أن رضاع الكبير لا يُحرِّم.
قال ابن القيم: قَالُوا: وَهَذِهِ مُدّةُ الثّدْي الّذِي قَالَ فِيهَا: لَا رَضَاعَ إلّا مَا كَانَ فِي الثّدْي أَيْ فِي زَمَنِ الثّدْي، وَهَذِهِ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، فَإِنّ الْعَرَبَ يَقُوُلونَ فُلَانٌ مَاتَ فِي الثّدْي أَيْ فِي زَمَنِ الرّضَاعِ قَبْلَ الْفِطَامِ وَمنْهُ الْحَدِيثُ الذي رواه مسلم"إنّ إبْرَاهِيمَ مَاتَ"
فِي الثّدْي وَإِنّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنّةِ تُتِمّ رَضَاعَهُ" (1) ، قَالُوا: وَأَكّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ"لَا رَضَاعَ إلّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ وَكَانَ فِي الثّدْي قَبْلَ الْفِطَامِ"."
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَوْصَافٍ لِلرّضَاع المُحَرّم وَمَعْلُومٌ أَنّ رَضَاعَ الشّيْخِ الْكَبِيرِ عَارٍ مِنْ الثّلَاثَةِ.
الوجه الثاني: الأحاديث والآثار تؤكد على أن الأصل في الرضاع للطفل، وأن رضاع الكبير لا يحرم.
1 -عن عائشة -رضي اللَّه عنها- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- دخل عليها وعندها رجل، فكأنه تغير، وجهه كأنه كره ذلك، فقالت: إنه أخي، فقال:"انظرن ما إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة" (4)
قال الحافظ في الفتح: والمعنى تأملن ما وقع من ذلك هل هو رضاع صحيح بشرطه من وقوعه في زمن الرضاعة ومقدار الارتضاع، فإن الحكم الذي ينشأ من الرضاع إنما يكون إذا وقع الرضاع المشترط، قال المهلَّب: معناه انظرن ما سبب هذه الأخوة؛ فإن حرمة الرضاع إنما هي في الصغر حتى تسد الرضاعة المجاعة، وقال أبو عبيد معناه: أن الذي جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن من الرضاع لا حيث يكون الغذاء بغير الرضاع.