قال ابن كثير: هذا إرشاد من اللَّه تعالى للوالدات: أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة، وهي سنتان، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك، ولهذا قال: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} ، وذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يحرم، من الرضاعة إلا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما لم يحرم. ثم نقل ابن كثير هذا القول عن جمهور العلماء وهم الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة والأكابر من الصحابة وسائر أزواج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سوى عائشة.
قال الشافعي: والدلاله على الفرق بين الصغير والكبير موجودة في كتاب اللَّه -عز وجل-. قال اللَّه تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} فجعل اللَّه -عز وجل- تمام الرضاع حولين كاملين. وقال: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} يعني واللَّه تعالى أعلم قبل الحولين فدل على أن إرخاصه -عز وجل- في فصال الحولين على أن ذلك إنما يكون باجتماعهما على فصاله قبل الحولين، وذلك لا يكون -واللَّه تعالى أعلم- إلا
بالنظر للمولود من والديه أن يكونا يريان أن فصاله قبل الحولين خير له من إتمام الرضاع له لعلة تكون به أو بمرضعته وأنه لا يقبل رضاع غيرها أو ما أشبه هذا.
وما جعل اللَّه تعالى له غاية بالحكم بعد مضى الغاية فيه غيره قبل مضيها.
فإن قال قائل وما ذلك؟ قيل قال اللَّه تعالى {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} الآية فكان لهم أن يقصروا مسافرين وكان في شرط القصر لهم بحال موصوفة دليل على أن حكمهم في غير ذلك الصفة غير القصر.
وقال تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} فكن إذا مضت الثلاثة أقراء فحكمهن بعد مضيها غير حكمهن فيها.