الثاني: في تحديد الطلاق ردع للزوج وزجر له إذا وقع منه لعلمه أن الطلقة الثالثة هي التي لا مطمع بعدها إلا بعد أن تنكح زوجًا غيره نكاحًا مؤبدًا، ثم لو حدث شقاق وطلقها جاز له أن ينكحها من جديد، ومن يدري أن هذا يكون؟، ولا شك أن هذا فيه من الألم ما هو معلوم، فظهر بهذا أن تحديد الطلاق بثلاث فيه مراعاة لمصلحة الرجل
والمرأة.
16.ومما يتعلق بذلك الرجل إذا علم أن المرأة لا تحل له بعد أن يطلقها ثلاث مرات إلا إذا نكحت زوجًا غيره، فإنه يرتدع؛ لأنه مما تأباه غيرة الرجال وشهامتهم، ولا سيما إذا كان الزوج الآخر عدوًا أو مناظرًا للأول، وزيادة على ذلك: أن الذي يطلق زوجته ثم يشعر بالحاجة إليها فيرتجعها نادمًا على طلاقها، ثم يمقت عشرتها بعد ذلك، فيطلقها، ثم يبدوا له ويرجع عنده عدم الاستغناء عنها، فيرتجعها ثانية، فإنه يتم له بذلك اختبارها؛ لأن الطلاق الأول ربما جاء عن غير روية تامة ومعرفة صحيحة منه بمقدار حاجته إلى امرأته، ولكن الطلاق الثاني لا يكون كذلك، لأنه لا يكون إلا بعد الندم على ما كان منه أولًا، والشعور بأنه كان خطًا ولذا قلنا أن الاختبار يتم به، فإذا هو راجعها بعده كان ذلك ترجيحًا لإمساكها على تسريحها، ويبعد أن يعود إلى ترجيح التسريح بعد أن رآه بالاختبار التام مرجوحًا، فإن هو عاد وطلق ثالثة كان ناقص العقل والتأديب، فلا يستحق أن تجعل المرأة كرة بيده يقذفها متى شاء، ويرتجعها متى شاء هواه، بل يكون من الحكمة أن يتبين منه، ويخرج أمرها من يده لأنه علم بأنه لا ثقة بالتآمهما وإقامتهما حدود اللَّه تعالى.
ففي هذا أيضًا ردع للرجال عن الطلاق عن طريق هذه الصورة التي يستبشعها الغيور الشهم إذا تدبر فيها، وما هي إلا صورة من صور الدفاع عن المرأة في شريعة الطلاق.
الوجه الثاني: الرد على زعمهم أن الطلاق ظلم للمرأة واعتداء على قدسية الزواج.
أما قولهم: إن في مشروعية الطلاق امتهان للمرأة كلام باطل: