فإن مما يجب أن يعلم أن شريعة اللَّه تعالى فيها تحقيق لمصالح العباد، وهي كلها رحمة وحكمة وعدل، ليس فيها شيء خارج عن ذلك، بل كل تشريع فيها يحقق للمكلف النفع والمصلحة في دينه ودنياه، وهذه المصالح المترتبة على التشريع فيها المصالح الضروريات والحاجيات والتحسينات، وهي المعروفة عندنا بمقاصد الشريعة، وهي التي لأجلها شرع اللَّه الشرائع وأنزل الأحكام وربما الثواب والعقاب ومن هذه المقاصد حفظ النفس وحفظ العرض، ومما شرع لحفظ النفس الزواج وذلك لبقاء النوع وتكثيره وعدم الوقوع في الفواحش، وقد جاء مقصد"حفظ العرض"مكملًا لذلك لوقايته من أسباب الفجور والرذيلة، ومن المسائل التي لها تعلق بهذين المقصدين مسألة"وطء المرأة في دبرها"فهي من جهة كونها مما يتفرع على عقد النكاح تندرج في المقصد الأول ومن جهة كونها انتهاكًا كالعرض والشرف تندرج في المقصد الثاني الذي جاءت الشريعة بحمايته (3) ؛ من أجل هذا كله حرم اللَّه وطء المرأة في دبرها.
2 -كرم الإسلام المرأة وذكر لها حقوقها فحرم وطئها في دبرها: لقد كرم الإسلام المرأة أعظم تكريم بعد ما كانت مهانة في الجاهلية، فلما جاء الإسلام رفع شأنها وأعلى قدرها، فكرمها في جميع حياتها وأطوارها وهي بنت وهي زوجة، وهي أم، وكان لها حقوق كثيرة وهي زوجة مذكورة في القرآن وفي سنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان من حقوقها على زوجها مسألة الجماع أو الوطء، وكان لها حق في أن تتمتع بهذا الأمر، ولذا إذا وطئت المرأة في دبرها كان في ذلك فواتًا لحقها الذي شرعه اللَّه تبارك وتعالى فكيف يشرع الإسلام وطء المرأة في دبرها الذي يضيع حق المرأة ويفوت عليها لذتها؟، وهذا من تكريم الإسلام للمرأة لأنه إذا أبيح للرجل الوطء في الدبر فإن في هذا قضاء لشهوته وحرمان المرأة من حقها في الاستمتاع وفي هذا ضرر بها من وجهين:
أحدهما: تحريك باعث الشهوة فيها من غير أن تنال شيئًا من حقها في الاستمتاع وفي هذا ضرر بها.
الثاني: إن وطء المرأة في دبرها يضر بها في صحتها مع عدم منفعتها منه بشيء.
من مقاصد النكاح النسل والنسل من غير وطء في القبل لا يكون فلا يأتي من الوطء في الدبر.