وقد بينا في غير هذا الموضع من كتابنا هذا وفي كتابنا (كتاب اللطيف من البيان) : أن كل آيتين أو خبرين كان أحدهما نافيًا حكم الآخر في فطرة العقل، فغير جائز أن يقضَى على أحدهما بأنه ناسخ حكم الآخر إلا بحجة من خبر قاطع للعذر مجَيئُه، وذلك غير موجود أن قوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} ناسخٌ ما كان قد وجبَ تحريمه من النساء بقوله: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} ؛ فإذ لم يكن ذلك موجودًا كذلك، فقول القائل:"هذه ناسخة هذه"، دعوى لا برهان له عليها، والمدعي دعوَى لا برهان له عليها متحكم، والتحكم لا يعجز عنه أحدٌ.
القول الثاني: 2 - آية المائدة مخصصة لعموم آية البقرة
قال الطبري: وقال آخرون: بل أنزلت هذه الآية مرادًا بحكمها مشركات العرب لم ينسخ منها شيء ولم يُستثن، وإنما هي آية عامٌّ ظاهرُها خاصٌّ تأويلها.
وذكر بإسناده إلى قتادة قال: قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} ، يعني: مشركات العرب اللاتي ليس فيهن كتاب يقرأنه.
ثم قال: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله قتادة: من أن اللَّه -تعالى ذكره- عَنَى بقوله: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} مَنْ لم يكن من أهل الكتاب من المشركات، وأن الآية عام ظاهرها خاص باطنها، لم ينسخ منها شيء، وأن نساء أهل الكتاب غير
داخلات فيها؛ وذلك أنّ اللَّه -تعالى ذكره- أحل بقوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} للمؤمنين من نكاح محصناتهن، مثلَ الذي أباح لهم من نساء المؤمنات.
قال ابن حجر: وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ عُمُوم آيَة الْبَقَرَة خُصَّ بِآيَةِ الْمَائِدَة وَهِيَ قَوْله: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} فَبَقِيَ سَائِر المُشْرِكَات عَلَى أَصْل التَّحْرِيم.
القول الثالث: لفظ الشرك في آية البقرة لا يتناول أهل الكتاب لتفريق القرآن بين أهل الكتاب والشرك.