* ويبدو من سياق قصتها في روايات السيرة الصحيحة، أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى أنها بنت ملك وزوجة ملك، ومثلها لا يوهب كما توهب السبايا الأخريات، ولهذا استرجعها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من دحيه الكلبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مما يدل على إكرام النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لهذه السيدة عملًا بالقاعدة الإنسانية والإسلامية التي تقول ارحموا عزيز قوم ذل، وليس أكرم لها وأجبر لخاطرها من أن تكون زوجة للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بدلًا من أن تكون مملوكة عند رجل من الناس، فلو لم يكن باعث استرجاع صفية -رضي اللَّه عنها- من دحيه الكلبي هو باعث إسلامي إنساني شريف؛ ما خيرها النبي الكريم -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد أن حررها من الأسر بين أن تعود إلى أهلها حرة مكرمة وبين أن يتزوجها لتكون إحدى أمهات المؤمنين، ولو أراد -صلى اللَّه عليه وسلم- أخذها جارية لنفسه لفعل، ولا يمكن أن يجد أي طاعن مجالًا للطعن في تصرفه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأن قوانين الحرب المتفق عليها بين الشعوب والأمم والتي عمل بها الإسلام وطبقها كعمل حربي مقابل في ذلك العصر تبيح للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-
أن يعامل صفية كنوع من الرقيق فيتخذها لنفسه جارية دونما أخذ موافقهتا؛ لأنها أسيرة حرب تعتبر مملوكة بموجب قانون الحرب الدولي المعمول به في ذلك العصر، ولكن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تكريمًا لهذه السيدة العظيمة في قومها أبى إلا أن يخصها من بين جميع السبايا بإعطائها مطلق الحرية في أن تختار أي السبيلين تريد بمحض إرادتها العودة إلى عشيرتها مع البقاء على دينها، أو الدخول في الإسلام لتكون زوجة للرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، لا فرق بينها وبين ابنة أبي بكر الصديق في الحقوق والواجبات، فاختارت الزواج بمحض اختيارها. وكان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يبالغ في إكرام هذه السيدة ويراعي شعورها لعلمه بما هي عليه من حسياسة وشعور مرهف كامرأة عزيزة في قومها فقدت الوالد والزوج وكلاهما عزيز على قومه، حتى كانت صفية -رضي اللَّه عنها- تتحدث عن هذه المعاملة النبيلة والمواساة النابعة من أشرف قلب.