ولكن الحقيقةَ أكثرُ استعمالاً منه، خلافًا لابن رَشيقٍ وابْنِ جِنِّي، وقد وردَ القرآنُ العظيمُ بالمَجاز ليكونَ حُجةً على العربِ؛ إذ خاطبهُمْ بجَميع أنواعِ كلامِهم، ثم تحداهم بسورَةٍ من مثلِه، وعجَزوا عنِ الإتيانِ بمثلِها، معَ قيام دواعيهم وتوفُرها على المُعارَضَةِ له؛ لِكَيْلا يقولوا: إنَّما عَجَزنا عن الإتيانِ بمثلِه لكونهِ بغير سُنَتِنا وخلافَ عادَتِنا؛ إذْ لمْ يجمعْ صنوفَ كلامِنا.
ولا نَظَرَ إلى خلافِ ابن داودَ؛ حَيثُ أنكرَ المَجاز في القُرآن، فالقرآنُ مَشْحونٌ بذلكَ، وإنِ اعترفَ بهِ وادَعى تأويلَه، كانَ الخلافُ في التسمية والعبارة.
* والمجازُ على أنواعٍ كثيرةٍ، ولْنَذْكُر منها هاهنا - أيضًا - تسعةَ أنواعٍ؛ لكثرةِ دورها ودلالتِها على غيرها:
النوع الأول: الاستعارةُ: وهو أن يضعَ الكلمةَ للشيء يستعيرُها له من مَواضِعَ أُخَرَ لِمُشابَهَةٍ بينَهُما؛ كقولِه تعالى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77] وقوله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ} [الدخان: 29] وقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء: 225] , وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ} [الأعراف: 131] , وكقولهم: انشقَّتْ عَصا القوم؛ إذا تفرقوا، وذلك غير منحصر في كلامهم.
الثاني: التّشبيهُ: كقوله تَعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] وكقولِ الشاعِر: [البحر الطويل]
دُفِعْتُ إلى شَيْخٍ بِجَنْبِ فَتَاتِهِ ... هو العَيْرُ إلا أنّه يَتكلَّمُ
الثالثُ: الزيادَةُ: قالَ بعضُ أهلِ اللِّسانِ: إن العربَ تَزيد في كلامِها أسماءً وأَفْعالا وحُروفاً:
-أمّا الأسماءُ، فثلاثة: الاسمُ والوَجْهُ والمِثْلُ.
فالاسمُ، في قولِ القائلِ: باسمِ الله، إنما أراد: بالله، ولكنّه لما أشبهَ القسمَ، زِيدَ فيه الاسْمُ.
والوجهُ، كقولِ القائِل: وَجْهي إليه، وفي كتابِ الله - عَزَّ وَجلَّ -: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27] , قال الشاعر: [البحر البسيط]
أستغفرُ الله ذَنْباً لَسْتُ مُحْصِيَهُ ... رَبَّ العِبادِ إليهِ الوَجْهُ والعَمَلُ